الحرب الطبقية الجديدة

إنقاذ الديمقراطية من النخبة الإدارية
23:58 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
3

عن المؤلف

الصورة
1
مايكل ليند
مايكل ليند (مواليد 23 إبريل 1962) كاتب وأكاديمي أمريكي. له في التأليف أكثر من اثني عشر كتاباً، كما عمل في الصحافة الأمريكية، فضلاً عن عمله كأستاذ جامعي في هارفارد وجونز هوبكنز، وهو حالياً أستاذ في كلية ليندون بي. جونسون للشؤون العامة بجامعة تكساس في أوستن.

حطمت الحركات الشعبوية، في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية، الأنظمة الحزبية القائمة، ووضعت الحكومات في حالة من الاضطراب. تزعم المؤسسات الحاكمة المحاصرة في هذه الدول، أن حركات التمرد الشعبوية تسعى إلى الإطاحة بالديمقراطية الليبرالية، لكن هذا الكتاب يرى أن الحقيقة أكثر تعقيداً، وذلك من خلال التأكيد على أن الديمقراطيات الغربية تمزقها حرب طبقية جديدة.

يكشف مايكل ليند، أحد كبار المفكرين الأمريكيين، زيف فكرة أن حركات التمرد هي في الأساس نتيجة التعصب الأعمى، ويتتبع كيف أدى انهيار التنازلات الطبقية في منتصف القرن بين الأعمال والعمال إلى الصراع، ويكشف عن خطوط المعركة الحقيقية. فمن ناحية، هناك الطبقة الإدارية، وهي النخبة الحاصلة على شهادات جامعية تتجمع في مراكز عالية الدخل وتسيطر على الحكومة والاقتصاد والثقافة. وعلى الجانب الآخر، توجد الطبقة العاملة في المناطق المنخفضة الكثافة، معظمها، من السكان الأصليين والبيض. تتصادم الطبقتان في قضايا الهجرة والتجارة والبيئة والقيم الاجتماعية، لكن الطبقة الإدارية لها اليد العليا. خلال نصف قرن من انحدار المؤسسات التي كانت ذات يوم تعمل على تمكين الطبقة العاملة، تحولت السلطة إلى المؤسسات التي تسيطر عليها الطبقة العاملة: الشركات، والفروع التنفيذية والقضائية، والجامعات، ووسائل الإعلام.

يرى الكاتب أنه يمكن حل الحرب الطبقية بإحدى الطرق الثلاث، إما عبر انتصار الطبقة العليا، وهذا بدوره سيؤدي إلى نظام طبقات عالي التقنية، أو تمكين الشعبوية، وهذا سيؤدي بدوره إلى عدم وجود إصلاحات بناءة أو تحقيق تسوية طبقية تمنح الطبقة العاملة قوة حقيقية.

إنقاذ الديمقراطية

يرى ليند في هذا الكتاب الصادر عن دار «بورتفوليو» باللغة الإنجليزية ضمن 224 صفحة، أن الديمقراطيات الغربية يجب أن تدمج أغلبية الطبقة العاملة من جميع الأعراق والأديان والعقائد في صنع القرار في السياسة والاقتصاد والثقافة. ويجد أنه من خلال هذه التسوية الطبقية يمكن تجنب حلقة لا منتهية من الصدامات بين الأوليغارشية والشعبويين وإنقاذ الديمقراطية.

 يقول المؤلف: «في ليلة 14 يوليو 1789، تقول المرويات أن أخبار سقوط الباستيل أحضرها دوق إلى ملك فرنسا لويس السادس عشر. سأله الملك: «إذن هل هو تمرد؟» أجاب الدوق: «لا يا سيدي، إنها ثورة». في 23 يونيو 2016، أقر غالبية الناخبين البريطانيين استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يطالب المملكة المتحدة بمغادرة الاتحاد الأوروبي. بعد بضعة أشهر من هذا الزلزال السياسي، في 8 نوفمبر 2016، وقع حدث أكثر إثارة للصدمة: انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. منذ ذلك الحين، في جميع أنحاء أوروبا، خسرت أحزاب الوسط ناخبيها لصالح أحزاب وسياسيين من الخارج، أحياناً من اليسار، لكن في كثير من الأحيان لصالح اليمين الشعبوي والقومي. في صيف 2018، وصل تحالف من العصبة الشعبوية اليمينية وحركة النجوم الخمسة المناهضة للمؤسسات إلى السلطة في إيطاليا. انفجرت في ألمانيا صناديق الحزب الاجتماعي الديمقراطي من يسار الوسط، وخسر الناخبون أمام حركات التمرد على اليمين واليسار. إن الدول التي قيل إنها محصنة ضد الشعبوية القومية، مثل السويد وألمانيا وإسبانيا، شهدت دخول أحزاب شعبوية متمردة برلماناتها. في عهد إيمانويل ماكرون، الموظف الحكومي السابق والمصرف الاستثماري الذي هزم المرشحة الشعبوية الوطنية مارين لوبان في عام 2017، بدت فرنسا في البداية محصنة ضد الاضطرابات.

ويشير إلى أن «فوز إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يوضح جلياً أن أحجار الدومينو الشعبوية في الاقتصادات المتقدمة خارج العالم الأنغلوساكسوني لم تكن حتى قريبة من السقوط»، هذا ما قاله جاكوب فونك كيركيغارد، زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في مقالة له في 2017. بعد عام تقريباً، في إبريل 2018، نشر ويل مارشال من معهد السياسة التقدمية، وهو مهندس حركة «الديمقراطية الجديدة» المرتبطة بعائلة كلينتون، مقالاً في مجلة «بوليتيكا» يجادل فيه بأن الرئيس الفرنسي أثبت أن الوسطيين النيوليبراليين الذين يروجون للوسطيين الجدد يمكن أن يفسدوا القوى الشعبوية والقومية: «كيف أصبح ماكرون القائد الجديد للعالم الحر؟» وبعد ذلك، ابتداء من نوفمبر 2018، تصاعدت الاحتجاجات التي كانت موجهة في البداية ضد تأثير زيادة أسعار الوقود على المواطنين الفرنسيين في الضواحي والبلدات الصغيرة والريفية إلى أشهر من العنف واشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين ملأت وسط باريس بالغاز المسيل للدموع والسيارات المحترقة، وأشعلت احتجاجات في جميع أنحاء فرنسا، «إذاً هل هو تمرد؟» «لا يا سيدي، إنها ثورة».

 موجات من الاحتجاج السياسي

 يرى الكاتب أن ما يحدث هو بالتأكيد ثورة. فأوروبا وأمريكا الشمالية تشهدان أكبر موجة ثورية من الاحتجاج السياسي منذ الستينات أو ربما الثلاثينات. باستثناء فرنسا، ظلت الثورة عبر الأطلسي حتى الآن غير عنيفة. لكنها مع ذلك ثورة. قال أحد الراديكاليين في الستينات: القضية ليست هي القضية. إذا كانت القضايا العاجلة التي تنشّط الشعبوية لدى الطبقة العاملة المحلية في بلدان معينة هي الهجرة والتجارة بالنسبة لترامب، والهجرة والسيادة لمؤيدي البريكست، ومستويات عالية من الهجرة الإسلامية للشعبويين الألمان والاسكندنافيين، وأسعار الوقود والسياسات المحلية الأخرى التي تكلفتها تقع بشكل رئيسي على الطبقة العاملة الهامشية، ففي حالة متظاهري «السترات الصفراء» الفرنسية ليست هذه القضية، إذاً ما هي المشكلة؟ القضية هي السلطة، والسلطة الاجتماعية موجودة في ثلاثة مجالات هي الحكومة والاقتصاد والثقافة. كل من هذه العوالم الثلاثة للسلطة الاجتماعية هو موقع للصراع الطبقي في بعض الأحيان يكون حاداً في بعض الأحيان، وأحياناً أخرى يتم احتواؤه من خلال التنازلات بين الطبقات. تمثل العوالم الثلاثة للمجتمع الغربي اليوم واجهات في الحرب الطبقية الجديدة.

ويقول: «بدأت الحرب الطبقية الأولى في الغرب منذ قرن ونصف، في المراحل الأولى من التصنيع، عندما تحطمت البنية الاجتماعية الزراعية ما قبل الحديثة بسبب ظهور الطبقات الاجتماعية الحديثة الرئيسية: عمال الصناعة أو الخدمات من جهة ومن جهة أخرى، الرأسماليون البرجوازيون، وانضم إليهم لاحقاً مديرون جامعيون ومهنيون. كانت الإصلاحات جزئية ومحدودة، إلى درجة أنها جعلت حتمية تعبئة شعوب وطنية كاملة للحرب، مسألة إنهاء الصراع الطبقي ضرورة».

كما يبين أنه أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، اعتمدت الولايات المتحدة مع حلفائها في أوروبا الغربية، غالباً على أساس حروب سابقة، نسخاً من التعددية الديمقراطية. في أمريكا ترومان وآيزنهاور، وألمانيا أديناور، وبريطانيا تشرشل، وديمقراطيات غربية أخرى، قام سماسرة السلطة الذين استجابوا للطبقة العاملة والدوائر الانتخابية الريفية بالحزب وقادة النقابات العمالية والجمعيات الزراعية وقادة الكنيسة، بالمساومة مع النخب الوطنية في الحكومة والاقتصاد والثقافة، على التوالي. في عصر التعددية الديمقراطية، تمتعت مجتمعات شمال الأطلسي بازدهار جماعي وقللت من عدم المساواة. بين الستينات والحاضر، أدى تراجع الخوف من صراع القوى العظمى إلى تقليل حوافز النخب الغربية تدريجياً لتقديم تنازلات للطبقات العاملة الغربية؛ إذ تم تفكيك نظام ما بعد الحرب في ثورة من الأعلى عززت المصالح المادية والقيم غير الملموسة للأقلية المتعلمة من المديرين والمهنيين، الذين خلفوا الرأسماليين البرجوازيين من الطراز القديم باعتبارهم النخبة المهيمنة.

 اعتماد التعددية الديمقراطية

 يشير الكاتب إلى أن ما حل محل التعددية الديمقراطية يمكن وصفه بالنيوليبرالية التكنوقراطية. ففي مجال الاقتصاد، روجت الشركات لفك النقابات وتحرير سوق العمل على حساب العمال، كما تبنت الشركات أيضاً المراجحة العالمية للعمالة، وذلك على شكل نقل الإنتاج للعمال الفقراء في الخارج أو توظيف عمال مهاجرين، لإضعاف النقابات والهروب من قيود لوائح العمل الوطنية. وفي عالم الثقافة، يدين الشعبويون التعددية الثقافية والعولمة التي تصدرها النخبة، بينما يتعمدون الاستهزاء بقواعد السلوك السياسي الصحيح الذي يشير إلى العضوية في النخبة الإدارية الحاصلة على تعليم جامعي. هل سينجح الشعبويون في أوروبا وأمريكا الشمالية في الإطاحة بالنيوليبرالية التكنوقراطية واستبدالها؟ بالتأكيد لا. الناخبون الشعبويون هم جزء أساسي من الناخبين الغربيين، لكنهم ليسوا سوى دائرة انتخابية واحدة في المجتمعات التعددية ذات الأنظمة السياسية المنقسمة بشكل متزايد. علاوة على ذلك، فإن الديماغوجيين الشعبويين غالباً ما يكونون فاسدين. في حين أن الشعبويين الديماغوجيين يمكنهم الفوز في بعض الأحيان بانتصارات متفرقة لناخبيهم.

يشير التاريخ– يقول المؤلف- إلى أن الحركات الشعبوية من المرجح أن تفشل عند مواجهة الطبقات الحاكمة الراسخة التي يتمتع أعضاؤها باحتكارات في الخبرة والثروة والتأثير الثقافي. رداً على التمردات الشعبوية من الأسفل، قد تلجأ النخب الإدارية في مختلف البلدان الغربية إلى القمع الصريح للطبقة العاملة من خلال تقييد الوصول إلى النشاط السياسي ووسائل الإعلام من قبل جميع المنشقين، وليس الشعبويين وحدهم. كبديل، قد تحاول الطبقات الحاكمة الإدارية استمالة المتمردين الشعبويين من خلال تقديم تنازلات طفيفة بشأن الهجرة أو التجارة أو السياسة المحلية. لكن تقاسم الثروة من خلال إعادة التوزيع وإيماءات الاحترام الرمزية من غير المرجح أن تنهي الحرب الطبقية الجديدة، إذا كانت الطبقة الإدارية العليا الصغيرة غير مستعدة لمشاركة السلطة الحقيقية مع أغلبية الطبقة العاملة. سيتطلب تحقيق سلام طبقي حقيقي في الديمقراطيات الغربية.

وفي الوقت نفسه يرى الكاتب أنه في عالم السياسة والحكومة، أفسحت العلاقات التكافلية التي كانت عبارة عن اتحادات وطنية لمنظمات محلية ذات عضوية جماعية الطريق للأحزاب التي يسيطر عليها المانحون ومستشارو وسائل الإعلام. في الوقت نفسه، تم اغتصاب العديد من سلطات الهيئات التشريعية الوطنية الديمقراطية من قبل المفوضين للوكالات التنفيذية أو المحاكم أو الهيئات التي تتجاوز الحدود الوطنية التي يكون للمهنيين المتعلمين بالجامعة تأثير أكبر بكثير من تأثير الأغلبية من الطبقة العاملة، سواء كانوا من السكان الأصليين أو المولودين في الخارج. أخيراً، في عالم الثقافة، بما في ذلك الإعلام والتعليم، فقد المراقبون الدينيون والمدنيون سلطتهم، غالباً نتيجة لنشاط القضاة الذين ولدوا ضمن النخبة الاجتماعية التي تشاركهم آراءهم الاقتصادية والاجتماعية التحررية مع أقرانهم المتعلمين في الجامعة.

ويضيف «الثورة النيوليبرالية التكنوقراطية من الأعلى، التي انتشرت في دول غربية واحدة تلو الأخرى من قبل أعضاء النخبة الإدارية الأكثر عدوانية وقوة، أثارت رد فعل شعبوي عنيف من الأسفل من قبل الطبقة العاملة المحلية الدفاعية والضعيفة، وكثير منهم من غير البيض. أيدت أقلية كبيرة من الناخبين البريطانيين السود والفئات العرقية الأخرى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي الولايات المتحدة صوت ما يقدر بنحو 29 في المئة من اللاتينيين لصالح ترامب في عام 2016. ومع استمرار الأحزاب الرئيسية في تجاهل مصالحها وقيمها، فقد تجد أحياناً أبطالاً غير محتملين بين الشعبويين الديماغوجيين مثل دونالد ترامب، ونايجل فاراج، وبوريس جونسون، ومارين لوبان، وماتيو سالفيني. على الرغم من كل اختلافاتهم، شن هؤلاء الديماغوجيون الشعبويون هجمات مضادة مماثلة على المؤسسات النيوليبرالية المهيمنة في جميع مجالات السلطة الاجتماعية الثلاثة. في عالم الاقتصاد، يفضل الشعبويون القيود الوطنية على التجارة والهجرة لحماية العمال من منافسة الواردات والمهاجرين. في عالم السياسة، يدين الشعبويون الأحزاب والفصائل الليبرالية الجديدة باعتبارها فاسدة ونخبوية، ويسعون إلى توحيد وتمكين العمال المحليين والمهاجرين مع استعادة سلطة صنع القرار الحقيقية للأغلبية غير الحاصلين على تعليم جامعي في المجالات الثلاثة للسلطة الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة والثقافة)». 

ونختم بما يقوله الكاتب: «الشعبوية الديماغوجية هي أحد الأعراض. النيوليبرالية التكنوقراطية هي المرض، والتعددية الديمقراطية هي العلاج».

قيَم هذا المقال
0

عن المترجم

نضال إبراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

كوري ديكر وإليزابيث مكماهون
الصورة
1
كارينا كالمباش
الصورة
1
أوريلين موندون وآرون وينتر
الصورة
1
ماريا سوبوليوسكا وروبرت فورد
الصورة
1
أندرياس مالم
الصورة
1
الصورة
1
ألكسندر إي ديفيس، وفينيت ثاكور، وبيتر فيل
الصورة
1
شوشانا كيلر
https://tinyurl.com/y4t972kt