القاهرة:  «الخليج»

أصدر الكاتب الفرنسي جلبير سينويه روايته السادسة عشرة «ابن رشد أو كاتب الشيطان»، وهي تتمحور حول الفيلسوف العربي الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وطرح الكثير من الأسئلة، وانقسم الناس فيه بين مؤيد له، ومعارضٍ له، إلى حد إباحة دمه، وفي كل حال، فإن ابن رشد شخصية إشكالية، وفي مناظرة بينه وبين قاضي قرطبة، يتوجه أحد الحاضرين إلى ابن رشد بالقول: «أنت كاتب الشيطان».

كتاب جلبير سينويه كما يقول الروائي اللبناني حسن داود: «تعريفي وتعليمي ومشوق في آن، ولم يكن للقارئ أن يلم بكل تلك التفاصيل عن ابن رشد، وزمنه، ورفاقه من الفلاسفة والأطباء المسلمين، وتلقيه لفكر أرسطو، والفلسفة اليونانية، وتلقي الغرب لفكره هو، لولا هذه الصياغة في شكل الرواية، وتسلسلها، وهو ما ينقص الكتابة التاريخية، وهي النقيصة التي تشكو منها أعمال روائية كثيرة».

يتميز سينويه بغزارة الإنتاج، حتى إنه يصدر كتاباً في كل عام، وتميزت كتاباته بالطابع التاريخي، واجتذب هذا الأسلوب قراء، يريدون معرفة الوقائع الغريبة والشخصيات التاريخية، في المشرق العربي، وهو ليس مؤرخاً محضاً، وفي الوقت نفسه لا يكتب الرواية الفنية.

ومن رواياته: «ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان – المصرية – ابنة النيل – كتاب الحجر الكريم – الفرعون الأخير محمد علي باشا – السفيرة - إخناتون – سفينة إلى الجحيم»، وغيرها من روايات ينتمي معظمها إلى كتب السيرة، وتتعلق بحياة شخصيات تاريخية من مختلف العصور، والبلدان.

علاقات إنسانية

تتناول أعمال سينويه قضايا الاضطهاد والمجازر والتهجير، في القرن العشرين، إلى جانب قضايا العلاقات الإنسانية، إضافة إلى ذلك فإنه يعرض لقضايا فلسفية ودينية، تتعلق بالوجود الإنساني والمصير، والغاية، وهو يكتب أيضاً الرواية البوليسية، وبعض هذه الروايات كان يدرس في المدارس الثانوية الفرنسية.

انتقلت أسرة جلبير سينويه من لبنان إلى مصر، إثر الأحداث الدامية التي وقعت سنة 1860 في لبنان، وسوريا، وكانت الأسرة تدين بالمسيحية، وجاءت إلى مصر طلباً للأمن، والرزق، والحرية، وكانت نقلة اضطرارية، في أجوائها ولد جلبير في 18 فبراير/ شباط سنة 1947، وكانت أمه فرنسية الأصل، وانتظم في هذه المرحلة في مدارس اليسوعيين الخاصة في القاهرة، إلى أن نال الثانوية العامة، وكانت معظم دراساته بالفرنسية، وكان ملماً باللغة العربية، ويعترف بأنه عاش في مصر «طفولة سعيدة جداً».

انتقلت الأسرة بعد عام 1968 إلى لبنان، بعد أن أخذت الأوضاع الاقتصادية لأسرته في مصر تسوء منذ عام 1956 بعد قرارات التأميم، ومصادرة الأراضي، والشركات، ثم رحل إلى فرنسا التي كان يحلم بالإقامة فيها منذ مولده، وقال: «رحلت إلى ثقافتي ولغة أمي، فقد نشأت على حب هذا البلد، الذي لم أعرفه إلا من خلال الكتب المدرسية والسينما»، وكان عمره 20 عاما، حين سافر إلى باريس لدراسة الموسيقى في مدرسة المعلمين.

استقر جلبير في فرنسا، وعمل في تعليم الموسيقى، من عام 1968 إلى 1987 وكانت مرحلة غامضة في حياته، لم يفصح كثيراً عنها، غير أنه يذكر أنه كتب كلمات أغان بالفرنسية لعدد من مشاهير الغناء، من بينهم داليدا، ويبدو أنه في هذه المرحلة كان يعزف على الجيتار مع بعض الفرق الموسيقية في ملاهي باريس الليلية، ويغني فيها بعض الأغاني القصيرة من تأليفه.

بداية متأخرة

وفي سن الأربعين يوقف كل أنشطته، ويتجه إلى الكتابة، بعد أن نشر روايته الأولى سنة 1987 عن رجل مغمور يدعى «كاليكست»، ليصبح في نهاية المطاف البابا السادس عشر باسم «كاليكستوس الأول» من سنة 217 إلى سنة 223 وينتهي به المصير شهيداً من شهداء الاضطهاد الروماني للمسيحيين، وكان عنوانها «الأرجوان وشجرة الزيتون»، وكتب أثناء مصاحبته لوالده على المركب النيلي، الذي كان يمتلكه، وكان عمره 14 عاما: «في هذا الوقت بالتحديد تملكني يقين، وبشكل غريب، بأنني سوف أكتب يوما ماً»، وتأخر هذا اليوم أكثر من عشرين عاماً، وسر هذا التأخر هو «الخوف من الكتابة».

اعتراف

 استغرق أربع سنوات في كتابة روايته الأولى، ويعترف: «بعد رفضها عدة مرات قررت منشورات أوربان أن تنشرها، وكان عمري آنذاك 35 عاما» وقد وصف نفسه في عمله «كتاب حكم من الشرق» قائلاً: «إنني أشبه هذا الكائن الغريب المعروف في كل الشرق منذ زمن طويل، وهو نصف مجنون، ونصف عاقل، ويلقب بالمجدوب، يبالغ في جنونه، حينما يحاول أحدهم أن يعامله على أنه عاقل، ويصبح ثاقب الفكر، حينما يسخر أحدهم من جنونه، ويمكننا أن نقابله في بعض الأماسي في طرقات بغداد، وحلب، أو القاهرة، يتقدم متقلقل الرأس على صورة الدرويش غير مبال – في الظاهر – بالناس الذين يحيطون به، فأنا هو».