تطور المالية العامة في ظل جائحة «كورونا»

22:50 مساء
قراءة 3 دقائق
آراء وتحليلات
آراء وتحليلات

د. علي توفيق الصادق *

تسبب فيروس كورونا «كوفيد  19» في خسارة هائلة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي (دخل العالم فيما بعد) في عام 2020. بيانات صندوق النقد الدولي، تبين أن دخل العالم انخفض من حوالي 87.6 تريليون دولار في عام 2019 إلى 83.8 تريليون دولار في عام 2020؛ أي أن دخل العالم يخسر نحو 3.7 تريليون دولار، منها حوالي تريليونا دولار يفقدها دخل الاقتصادات المتقدمة، و1.7 تريليون دولار تفقدها الاقتصادات الصاعدة والنامية. 

أما الاقتصادات العربية فقد تخسر حوالي 331 مليار دولار، ومنها خسارة اقتصادات دول مجلس التعاون البالغة حوالي 252 مليار دولار. 

وبطبيعة الحال، انعكست الخسارة في الدخل العالمي في خسارة هائلة في دخل القطاع الخاص وإيرادات الحكومات. وقد تم تعويض خسارة دخل القطاع الخاص جزئياً من قبل الحكومات، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في عجز الميزانيات الحكومية في معظم البلدان بسبب زيادة النفقات وانخفاض الإيرادات. وارتفع هذا العجز في الاقتصادات المتقدمة من 3.3% من الدخل عام 2019 إلى حوالي 14% عام 2020، وفي الاقتصادات الصاعدة والنامية ارتفع العجز من 4.8% إلى 10.2%، وفي الاقتصادات العربية ارتفع العجز في الميزانيات الحكومية من 3.3% عام 2019 إلى 10.8% عام 2020، وارتفع العجز في ميزانيات دول مجلس التعاون من 2% إلى 9.2%. 

مثل هذه العجوزات في الميزانيات الحكومية لم يختبرها العالم ولا مناطقه المختلفة منذ الحرب العالمية الثانية. وقد انعكست العجوزات هذه في مديونيات الحكومات في الاقتصادات المتقدمة وفي الاقتصادات الصاعدة والنامية. فقد ارتفعت نسبة المديونية الحكومية في الاقتصادات المتقدمة من حوالي 104% في عام 2019 إلى حوالي 124% في عام 2020، وارتفعت في الاقتصادات الصاعدة والنامية من حوالي 53% إلى حوالي 63%، وارتفعت المديونية الحكومية في الاقتصادات العربية من حوالي 47.4% إلى 59.1%، وارتفعت من 30.4% إلى 41.4% في اقتصادات دول مجلس التعاون بين العامين 2019 و2020.

يتساءل بعض المهتمين بشأن عجوزات ميزانيات الحكومات عما إذا كانت هذه العجوزات ستكون مستدامة، وكيف سيتم تمويلها، خاصة ألا أحد يعرف مدى عمقها وطول المدة التي تحتاج إليها الاقتصادات للاستمرار في العجز. هذا الأمر يتعلق بمدى انتعاش الاقتصاد والمدة التي يتطلبها الدعم المالي. بشكل عام، هناك أربع طرق لتمويل العجز:

أولاً: زيادة الضرائب التي يمكن اعتبارها بمثابة تحويل للأموال من القطاع الخاص إلى القطاع العام. والتمويل بزيادة الضرائب يزيد الأمر سوءاً في ظل تراخي النشاط الاقتصادي في ظل جائحة كورونا. السياسة المالية الموصى بها في ظل التراخي الاقتصادي، هي معاكسة للدورة الاقتصادية، أي زيادة النفقات وتخفيض الضرائب بدلاً من زيادتها.

ثانياً: اقتراض الأموال من القطاع الخاص المحلي أو الاقتصادات الخارجية. هذا الخيار قد يكون متاحاً لبعض البلدان التي توفر ضمانات مقبولة في المعاملات المالية.

ثالثاً: بيع أصول تملكها الحكومة: بيع أصول في ظل أوضاع محلية أو إقليمية أو عالمية غير مواتية، لا ينصح به؛ لأن أسعار الأصول تكون عادة منخفضة.

رابعاً: طباعة النقود. هنا يأتي دور النظرية النقدية الحديثة التي تفيد بأن التحكم في العملة الوطنية يعني إنفاقها بحرية. والنظرية النقدية الحديثة هي نظرية اقتصادية كلية غير تقليدية. بالنسبة للبلدان التي لديها سيطرة كاملة على عملتها الورقية، لا يمكن اعتبار الإنفاق الحكومي كميزانية أسرة. بدلاً من التفكير في الضرائب على أنها دخل والإنفاق الحكومي كمصروفات، يقول مؤيدو النظرية النقدية الحديثة إن السياسة المالية هي مجرد تمثيل لمقدار الأموال التي تنفقها الحكومة في الاقتصاد أو تأخذها.

هذا يعني أنه يمكن دفع أي نفقات حكومية عن طريق طباعة النقود، وهدف فرض الضرائب هو الحد من التضخم، من خلال التحكم في المعروض النقدي. هذا يعني أن الإنفاق الحكومي لا ينبغي تحديده من خلال مستويات عجز الميزانية الحكومية، ولكن من خلال ما إذا كان الإنفاق الحكومي يُبقي الاقتصاد عند التوظيف الكامل وعند مستوى معقول من التضخم أم لا. وهذا من شأنه أن يحول السياسة المالية للحكومة إلى أداة من شأنها أن تحقق النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار، إذا توفرت الموارد غير المالية مثل المهارات والمواد الأولية.

*مدير معهد السياسات الاقتصادية في صندوق النقد العربي سابقاً.

التقييمات
0

عن الكاتب

خبير مالي وإقتصادي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5jp9fvs