الديمقراطية الرجعية في الغرب

أسباب هيمنة العنصرية واليمين الشعبوي المتطرف
23:16 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
أوريلين موندون وآرون وينتر
* أوريلين موندون، أستاذ وباحث في جامعة باث البريطانية، ويركز في أبحاثه في الأغلب على تأثير العنصرية والشعبوية على الديمقراطيات الليبرالية وتعميم سياسات اليمين المتطرف من خلال خطاب النخبة.

* آرون وينتر محاضر أول في علم الجريمة في جامعة شرق لندن، ويركز في أبحاثه على أقصى اليمين وقضايا العنصرية والعنف والتعميم.

الديمقراطية الغربية ليست مثالية؛ بل تعاني القصور؛ إذ تسببت في فرض أشكال من العنصرية، التي يرى مؤلفا هذا الكتاب أنها ممنهجة، بالتالي يصفان هذا الشكل الديمقراطي ب«الرجعي»، ويجدان ضرورة في إعادة معاينة هذه الديمقراطية التي تسببت في ظهور اليمين المتطرف، وعزّزت الشعبوية في المجتمعات الغربية.

 يبدو أنه ليس بالضرورة أن تكون الديمقراطية تقدمية، ولن تكون إلا إذا جعلناها كذلك، هكذا يرى مؤلفا الكتاب؛ إذ إن ما يسميانه «الديمقراطية الرجعية» هو استخدام مفهوم الديمقراطية والفهم المرتبط بها لسلطة الشعب؛ لتحقيق غايات وأهداف رجعية.

 يقولان: «إن عودة ظهور العنصرية والشعبوية واليمين المتطرف ليس نتيجة مطالب شعبية؛ بل نتيجة منطقية لتلاعب واعٍ من قبل نخبة دفعت الأفكار الرجعية إلى الظهور. تُصوَّر هذه الروايات العنصرية على أنها مطلب شعبي، وليس شيئاً تشجعه وترسخه النخب، ما يؤدي إلى تبرئة أولئك الذين لديهم وسائل التأثير والسيطرة على الخطاب العام؛ من خلال وسائل الإعلام، ما أدى إلى إضفاء الشرعية على اليمين المتطرف، وتقوية موقفه، وبالتالي فاقم من أزمة اللامساواة.

 صعود اليمين

 يوضح لنا الكتاب الصادر عن دار فيرسو للنشر 2020 في 240 صفحة، أن اليمين المتطرف ما كان ليحقق مثل هذا النجاح في عدد من الدول الغربية، سواء على الصعيد الانتخابي أو الأيديولوجي، لولا مساعدة نخبة فاعلة في الإعلام والسياسة والقطاع الأكاديمي. يعلقان قائلين: يمثّل أقصى اليمين تهديداً حقيقياً، ولا ينبغي تركه على راحته، وبالتالي نحن بحاجة إلى تحويل مسؤولية الموقف نحو أولئك الذين يزعمون في الأغلب أنهم من المتفرجين الموضوعيين، على الرغم من وجهات نظرهم القوية وقدراتهم الواضحة على التأثير على الأجندة والخطاب العام والروايات، لا سيما عندما يتم إضفاء الشرعية على الأفكار والجهات الفاعلة العنصرية واليمينية المتطرفة.

 يعتمد هذا العمل على الجدل الدائم حول أسباب العنصرية الممنهجة، ويهدف إلى تسليط الضوء على كيفية تفاعل هذه الأشكال من السلطة والإمكانات الناشئة في أعقاب ذلك.. في المجتمعات الغربية، لاحظ المؤلفان أوريلين موندون وآرون وينتر أن الخطاب الليبرالي يحتفي بإلغاء العبودية وإقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964 في الولايات المتحدة باعتباره هزيمة للعنصرية. تكمن مشكلة هذا الإطار في أنه يقدّم العنصرية كشيء من الماضي، وبالتالي يفشل في تفسير العنصرية الممنهجة اليوم.

 وبالاعتماد على الخطاب السياسي الحالي عن الطبقة العاملة، يوضح موندون ووينتر كيف تم بناء الرابط بين الطبقة العاملة والعنصرية خاصة في سياق كل من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والحملة الانتخابية الأمريكية لعام 2016. يسعى موندون ووينتر إلى تطوير فهم ل«الأسس الأيديولوجية للمناورة التي تلقي اللوم بشكل مباشر على من لا صوت له، وصرف الانتباه عن المسؤولين عن الوضع الاجتماعي السياسي الحالي». يرى المؤلفان أن الليبرالية تضع نفسها كمدافع ضد جميع أشكال الاستبداد والسياسة غير العقلانية. ومع ذلك، لا تتجاهل المؤسسات الليبرالية بفعلها ذلك «نصيبها من المسؤولية عن نشوء السياسات الاستبدادية» فحسب؛ بل تخلق أيضاً انحرافاً عن الإخفاقات.

 هزيمة العنصرية

 يسعى هذا الكتاب أولاً وقبل كل شيء، إلى تطوير إطار تحليلي يمكن من خلاله فهم عملية العنصرية في السياق الغربي الحالي. خصص المؤلفان الفصلين الأول والثاني لتقديم طريقة شاملة لفهم العنصرية ومكافحتها في مجتمعاتنا المعاصرة؛ إذ يعدان أن العنصرية تُفهم بشكل عام بطريقة متجانسة وليبرالية، وهو أحد الأسباب التي تجعل العديد من الأكاديميين والسياسيين والمعلقين يتخلى عن المصطلح وينكره. ويضيفان: إن ارتباط المفهوم بالفاشية والنازية، وأيضاً بالسياسة والسياسات البيولوجية التي يفترض أن مجتمعاتنا قد تغلبت عليها في القرن العشرين، تجعل من الصعب على البعض الاعتراف بأننا لا نعيش في مجتمعات ما بعد العنصرية، وأن العنصرية لا تزال تدعم هياكلنا ومؤسساتنا. في كثير من الأحيان، تعد الأيديولوجيا ثابتة (كما هي الفاشية). وفي حين تم السماح لليبرالية بالتطور وإلقاء بعض جوانبها السلبية على مدار تاريخها، إلا أن العنصرية تعد بشكل عام غير قابلة للتغيير.

 يطور الفصلان إطاراً لفهم مكان ودور العنصرية في المجتمعات المعاصرة. ويقولان: من أجل فهم العنصرية اليوم، من الضروري فصل مفاصلها المختلفة، وتمييز ما نسميه العنصرية الليبرالية وغير الليبرالية. في الوقت الذي تكون فيه الحدود بين الاثنين غامضة، فإن وجود عنصرية غير ليبرالية في معارضة العنصرية الليبرالية ضروري لاستمرار نظام مبني على التمييز والامتياز، ما يضمن قبوله السائد.

 يركز الفصل الأول تحديداً على العنصرية غير الليبرالية، ويصف بإسهاب كيف تعمل، وكيف تطور اليمين المتطرف المعاصر منه. ويصف مفاصل العنصرية المرتبطة بالعنصرية البيولوجية والإبادة الجماعية والعنف العنصري والفصل العنصري، والتي يُزعم أنها هزمت من قبل قوى المجتمعات الليبرالية المتساوية.

 يقو الكاتبان في هذا الفصل: في المجتمعات الغربية، يُعتقد عموماً أن هزيمة النازية وقوانين جيم كرو العنصرية إلى جانب نهاية الاستعمار وإقرار قانون الحقوق المدنية، كانت إشارة إلى هزيمة العنصرية. يُعتقد أن هذه الأحداث تمثل انتصاراً النظام الليبرالي الجديد المتساوي في فترة ما بعد الحرب أو ما بعد الحقوق المدنية، والذي من شأنه أن يوجه في نهاية المطاف ما يسمى بخطاب ما بعد العنصرية الذي ظهر بشكل حاسم مع نهاية الفصل العنصري وانتصار نيلسون مانديلا في الانتخابات عام 1994، وبلغت ذروتها مع وصول باراك أوباما إلى الرئاسة الأمريكية في عام 2008. كلاهما كانا رمزين قويين، حيث أصبحا قادة دول ذات تاريخ طويل وسيئ السمعة من العنصرية.

 وتشير العنصرية الليبرالية بدلاً من ذلك إلى إنكار أشكال العنصرية التي لا تزال قائمة ولها جذور عميقة في الليبرالية، وهو ما يناقشه الكاتبان في الفصل الثاني. بعد تقديم تعريف موجز، يوضح المؤلفان كيف يتم إضفاء الشرعية عليها من خلال الاستخدام المنحرف للنضالات التقدمية مثل النضالات من أجل حقوق المرأة وحرية التعبير. وينتقل الكاتبان إلى بعض من ساعدوا في إضفاء الشرعية وتعميم هذا الفهم الرجعي للمساواة في الحقوق والحرية.

 ويتحول الفصل الثالث إلى قضية التعميم، ويستكشف كيف أصبحت العنصرية شائعة وفاعلة بشكل متزايد في الخطاب الغربي العام. يبدأ الفصل بتقديم تعريف، ولا ينظر فقط إلى السياسات والأداء الانتخابيين لقياس تقدم سياسات اليمين المتطرف؛ بل بدلاً من ذلك، يقوم المؤلفان بإنشاء إطار عمل يتخذ نهجاً أكثر شمولية وينخرط في الأفكار والخطاب، وهو أمر حاسم في السيطرة على الهيمنة. يكشف الفصل، بالاعتماد على دراسات حالات المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا، عن كيفية دمج اليمين المتطرف في السياسة العامة. يتمسك المؤلفان بوجهة نظر مفادها أن عملية التعميم لا تنشأ فقط من السياسة الشعبية للأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة؛ بل أيضاً من خطابات النخب (كوسائل الإعلام والسياسيين والأكاديميين).

 فشل الليبرالية

 يسعى الفصل الرابع إلى تحدي الخطاب الذي يلقي باللوم على صعود اليمين المتطرف والعنصرية على الشعب. يقول المؤلفان: في السنوات الأخيرة، وخاصة منذ ظهور الشعبوية كمفهوم واسع الانتشار في التحليل السياسي، أصبح من الشائع أن نسمع أن صعود اليمين المتطرف هو نتيجة مطلب شعبي، وأن النخبة - من وسائل الإعلام والأكاديميين والسياسيين - تستجيب فقط للمطالب الديمقراطية بالانحراف إلى اليمين، وبالتالي توفير منصات ضخمة لهذه الأفكار ومؤيديها. وبالتالي، يسعى هذا الفصل إلى تحدي الطريقة التي يتم بها بناء فكرة الرأي العام من الناحية المفاهيمية، وهي خطوة، تدعم فهماً جديداً وضيقاً نسبياً للديمقراطية.

 ينتقلان بعد ذلك إلى انتقاد رواية بارزة أخرى، ألقت اللوم في صعود اليمين المتطرف ليس فقط على الشعب، ولكن بشكل أكثر تحديداً على الطبقة العاملة. وهذا يسمح للقرّاء بفهم كامل للدور الذي لعبته الضجة الشعبوية الأخيرة في حجب ما هو على المحك حقاً في صعود اليمين المتطرف وتعزيز الديمقراطية الرجعية.

 يرى المؤلفان أنه في حين أننا نرى أن دعم اليمين المتطرف مبالغ فيه، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن التهديد الذي يمثله ليس حقيقياً. فالسياسة التي يدفعها لها عواقب حقيقية على حياة الكثيرين، وخاصة على أولئك الأقل حظاً والذين يخضعون بالفعل لأشكال مختلفة من التمييز والقمع. لا ينبغي تجاهل التحذيرات بشأن عودة السياسة الفاشية باعتبارها من المبالغات؛ من الواضح أن العلامات مقلقة، ولها تداعيات خطرة على من تستهدفهم وعلى الديمقراطية نفسها. ومع ذلك، لا ينبغي استخدام مثل هذه التحذيرات لتجاهل العنصرية الممنهجة أو السائدة أو الانتقاص منها أو التكيف معها.

 تحدي الأفكار السائدة

 يجد الكاتبان بأن «ما نصفه بأنه «ضجيج شعبوي»؛ أدى إلى إضفاء الشرعية على أفكار اليمين المتطرف وتطبيعها؛ حيث استحوذ عليها واضعو الخطاب العام وأعادوا تجميعها بوقاحة متزايدة. وفي الوقت نفسه، فقد نزعوا الشرعية عن مفهوم الشعب الذي يعد مركزياً لفكرة الديمقراطية ذاتها. تم إلقاء اللوم بشأن صعود اليمين المتطرف، في حين تم تبرئة النخبة التي يُفترض أنها لا حول لها ولا قوة والتي شعرت بأنها مجبرة على إرسال شعبها إلى طريق مظلم. يتساءل المؤلفان: هل يمكننا محاربة اليمين المتطرف بشكل فاعل فقط من خلال فهم شامل للوضع، بما في ذلك الدور الذي تلعبه الليبرالية في إدامة العنصرية وعدم المساواة والظلم؟

 بالانتقال إلى مسألة الخيال الديمقراطي الأكثر راديكالية في نهاية كتابهما، يؤكد موندون ووينتر بشكل مقنع أهمية فهم العنصرية كعلاقات قوة تتطور وتتأقلم. وبالتالي، لا تُستنفد العنصرية بمفاصلها غير الليبرالية. لقد فشلت الليبرالية نفسها في الارتقاء إلى مستوى مُثُلها المفترضة في النهاية، ومن الضروري إدراك أن اليمين المتطرف ليس البديل (الوحيد أو المحتوم).

 يمكن القول عموماً، بحسب ما قرأناه في هذا العمل، أن «الديمقراطية الرجعية» مساهمة مهمة في النقاش المستمر حول أسباب العنصرية الممنهجة. ومن خلال دعوته إلى تحليل شامل للعلاقة بين اليمين المتطرف والديمقراطية الليبرالية، يثير الكتاب السؤال الصحيح في الوقت المناسب. كما أن هذا الكتاب جدير بالقراءة لكل من يسعى إلى تحدي الأفكار السائدة حول العنصرية والديمقراطية الليبرالية.

قيَم هذا المقال
0

عن المترجم

نضال إبراهيم

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

كوري ديكر وإليزابيث مكماهون
الصورة
1
كارينا كالمباش
الصورة
3
مايكل ليند
الصورة
1
ماريا سوبوليوسكا وروبرت فورد
الصورة
1
أندرياس مالم
الصورة
1
الصورة
1
ألكسندر إي ديفيس، وفينيت ثاكور، وبيتر فيل
الصورة
1
شوشانا كيلر
https://tinyurl.com/y3hdwk78