تبدّل في عناصر قوة الدولة

00:57 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناصر زيدان

تحمل انطلاقة العقد الثالث من القرن 21 مجموعة كبيرة من المؤشرات التي ستترك أثراً في القادم من الأيام، وعلى مختلف المستويات، بعد تجارب هائلة حصلت على المستوى العالمي، أدت إلى كوارث، وصعوبات، من جهة، ورافقتها تطورات علمية وسياسية كبيرة، من جهة ثانية. ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تكون محل تأثُر؛ الدول، وقدرة تأثيرها في مجرى الحياة الدولية.

 وإذا كان فقهاء العلوم السياسية والقانون العام اتفقوا على أن عناصر قوة الدولة تتركز على الجغرافيا، والموارد الطبيعية، والقوة العسكرية، وتماسك السكان، وطبيعة النظام؛ إلا أن المُعطيات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي، والتغييرات المناخية؛ وضعت بصمات دامغة على حياة البشرية، كما على موازين القوى الدولية، إضافة إلى إحداثها تعديلات على بعض المفاهيم، ومنها مفهوم قوة الدول، والعناصر التي تؤثر في مكانة الدولة بين أسرة «المدينة الأرضية». وقد أدت هذه العوامل إلى نشوء عناصر قوة جديدة للدولة، كما أدت في نفسه الوقت إلى إنتاج نقاط ضعف لها، لم تكن في الحسبان.

 لوا يمكن التقليل من شأن الموقع الجغرافي للدولة، ومساحتها، ولا من قدراتها العسكرية، خصوصاً النووية منها، لكن قوة تأثير التكنولوجيا الرقمية، والقدرة على الابتكارات العلمية، لاسيما في مجال الطب والصناعات الذكية، أصبحت عناصر رئيسية في تحديد قوة الدولة، وحجم مكانتها بين الأمم. كما أن استثمار الموارد البشرية والطبيعية في أي دولة؛ لا يمكن أن يحصل من دون استخدام السّبل الحديثة، خصوصاً الاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة، وبالمهارات الفنية والرقمية لدى السكان، لاسيما منهم القادرون على الإنتاج. والقوة العسكرية للدولة لم تعُد تقاس بكثرة عدد الجنود، وبحجم المعدات التي تمتلكها، بل بالقدرة على إيصال الأذى والإرباك للعدو، وقد يكون ذلك عن طريق شلّ حركته، وتكبيل اقتصاده، أو تعطيل آلية عمله بواسطة التقنية الرقمية، أو ما يسمى بالسلاح السيبراني، وقد حصلت مجموعة من الأحداث في الفترة الأخيرة، تؤكد صوابية هذا الرأي، ومنها على سبيل المثال: افتعال حرائق عن بُعد في منشآت عسكرية، أو الدخول على الشبكات العنكبوتية لدوائر الدولة، كما حصل في الهجمات الإلكترونية على داتا مؤسسات أمريكية منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول 2020.

 وقد تضاعفت مكانة وقوة بعض الدول الصغيرة من جراء تفوقها التقني في عدد من المجالات، لاسيما في صناعاتها الإلكترونية المتطورة، وفي قدرتها على إنتاج وسائل التشويش العسكرية، وتحريك المُسيرات (طائرات من دون طيار)، بدقة، وحرفية. والمهارات التقنية المتطورة أصبحت قادرة على إنتاج بدائل عن عدد كبير من الموارد الطبيعية، بما فيها الإنتاج الزراعي المُهجَّن، والبدائل عن بعض المعادن في الصناعات الخفيفة، وفي إنتاج الطاقات البديلة من موارد مختلفة، خصوصاً من الشمس، والهواء، والمياه. ومما لا شك فيه أن قدرة الدولة على استقطاب الاستثمارات التي تدفع بقوتها إلى الأمام؛ أصبحت تعتمد على توفير بنى تحية متطورة.

 ولعلَّ الأهم في المقاربات التي تؤكد حصول تبدّل في عناصر القوة العصرية للدول، والجماعات؛ بروز ظاهرة جديدة على المستوى العالمي من خلال تزايد قدرة التأثير لبعض الأشخاص، والشركات الكبرى، في مجرى السياسة الدولية، وأحياناً قد يحصل هذا التأثير من دون المرور بالقنوات الحكومية التقليدية، وهؤلاء فرضوا أنفسهم على الأنماط المعتمدة في العديد من الدول، أو حتى على المستوى الدولي العام.

 وإذا ما استعرضنا السياقات التي عاشها العالم في السنة المُنصرمة، خصوصاً في الكيفية التي تمت فيها مواجهة جائحة كورونا التي لم تُهزم بعد؛ نرى أن شركات الأدوية، ومختبرات اللقاحات، وشركات الصناعة التكنولوجية المتطورة، كما شركات إنتاج برامج الذكاء الرقمي التي وفّرت وسائل بديلة عن ضرورات التجمّع البشري، والتواجد المكاني، ووفرت برامج التعليم عن بُعد، وعقد الاجتماعات الافتراضية على مختلف المستويات؛ كانت كلها ذات تأثير كبير في مستوى الحراك البشري عامة.

ويمكن أعطاء مثال آخر على قدرة تأثير الأفراد من خلال مبادرة Giving Pledge، وهي لجنة من مجموعة من الأغنياء ضمَّت سبع شخصيات تبرعت بما يزيد على 40 مليار دولار أمريكي، لمعالجة بعض المعضلات الاجتماعية والصحية التي واجهت البشرية، بينما عجزت بعض الحكومات عن تأمين قيمة فاتورة اللقاح ضد «كورونا» لمواطنيها.

التقييمات
0

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5qyrgl4