تنتهي الحلقة الأخيرة من مسلسل «صقر قريش» الذي كتبه وليد سيف وأخرجه حاتم علي بمشهد متقن ومعبر، يجمع بين عبدالرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس بعد سقوطها في المشرق، وغلامه ورفيق رحلته بدر، وقد تقدم العمر كثيراً بالرجلين، فيما بدا أنه التفاتة اعتذار لرفيق رحلته الشاقة هرباً من الشام باتجاه الأندلس التي استغرقت أربع سنوات.
لاحظ بدر أن سيده، وقد أصبح عجوزاً، وهو يستعيد رحلته الطويلة من شريد مطارد من العباسيين في الأمصار التي اجتازها في رحلته، لم يأت على اسمه، وهو يعدد الوجوه والمواقف الفاصلة في مشواره نحو الحكم، فذكّره بذلك، قائلاً ما معناه: إذا كنت أنت قد نسيت ذكر اسمي ياسيدي، فمن يلوم من سيكتب التاريخ بعدنا إذا تجاهلني؟.
يمكن القول إن وليد سيف وحاتم علي أنصفا بدراً في المسلسل، الذي أدى دوره باقتدار الممثل المغربي محمد مفتاح. وكان بدر قد التحق خادماً عند عبد الرحمن قبيل سقوط دولة الأمويين بقليل، ولازمه في رحلته الشاقة، فكان دليلاً ومدبراً فطناً، حسن التصرف، سريع البديهة، شجاعاً، ولما بلغ الرجلان المغرب، ومكثا عند أخوال الأمير هناك، كونه ابناً لأم أمازيغية، اقترح بدر أن يذهب وحيداً للأندلس ليستجلي الأمور ويرتب لمقدم سيده، بعد الاطمئنان إلى أن حياته لن تكون في خطر، وهذا ما أنجزه الرجل على خير وجه.
حين استتب الأمر لعبد الرحمن الداخل في الأندلس عيّن بدراً وزيره وقائد جيشه، وظل ملازماً له في كل المعارك التي خاضها لتثبيت حكمه وإقامة دولته، وبعد أن اطمأن إلى أنه قطع دابر كل خصومه، بدأ يتوجس خيفة في أقرب المقربين إليه، حتى إنه قتل اثنين من أبناء أشقائه، استشعر مطامعهما في الحكم.
لم يكن بدر طامعاً في كرسي سيده، لكن مأساته أنه لم يدرك الفارق بين عبد الرحمن الشاب الأموي الطريد، الملاحق في رحلتهما الطويلة، وعبد الرحمن وقد بات الحاكم الذي لا ينازعه في حكمه أحد، فاستمرّ في التذكير بأفضاله عليه، حدّ القول، ولو من وراء ظهر الأمير، أنه ما كان سيبسط سلطته لولا جهوده، فعاقبه بتجريده من مناصبه، وأقصاه بعيداً عن قرطبة.
ما قاله بدر في المشهد الأخير من المسلسل هو ما حدث، فالتاريخ يذكر عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، فيما بقي بدر «الخادم» الذي لا يتذكره أحد.
هائلة أعداد من هم مثل بدر، ممن صنعوا التاريخ، لكن هذا التاريخ طوى ذكرهم.
[email protected]
المنسي في التاريخ
9 يناير 2021 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 يناير 00:08 2021
شارك