ما فعله ترامب

00:28 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

الولايات المتحدة في منعطف خطر، وديمقراطيتها على المحك، تلك العناوين العريضة التي يُمكن قراءتها من مشاهد الفوضى والتخريب التي سادت شوارع واشنطن، لحظة إعلان الكونجرس التصديق على فوز جو بايدن بالانتخابات الأخيرة التي أوصلته إلى سدة الرئاسة، وجعلته الرئيس السادس والأربعين للبيت الأبيض، وهو ما يشير إلى أن الأيام القادمة تحمل بين ثناياها خبايا غير مُبشرة لأمة لطالما تغنت لعقود طويلة بديمقراطيتها؛ بل جعلت منها منهجاً ألزمت به دولاً عدة، عبر قوالب جاهزة معدة سلفاً على مقاس كل دولة.

المفارقة التي بدأت قبل الانتخابات الأمريكية تمثلت في تصريحات ترامب التي حملت الكثير من التناقضات، وفي الوقت نفسه مهدت لما شهدته الشوارع الأمريكية راهناً من حالات الفوضى، وتجاوز القانون، فالرئيس المشهور بتصريحاته غير الدبلوماسية في كثير من الأحيان، شكك في مصداقية النتائج حتى قبل الإدلاء بأول صوت، في نية مبيتة منه أنه سيحتكم للتأثير على الشارع، وتأجيج مشاعره في حال لم تصبّ الأمور في مصلحته، وفي الوقت ذاته أخذ يغرد بدعوات بريئة إلى التزام الهدوء، وعدم المساس بالأمة الأمريكية أو التأثير في وحدة صفها، متناسياً أن ادعاءه بمحبة بلاده، واتخاذه شعار «أمريكا أولاً» خلال السنوات الأربع التي قضاها في البيت الأبيض، بات في مهب الريح بعد حالة السخط التي اجتاحت المجتمع الأمريكي حتى بين المقربين منه؛ إذ نظر هؤلاء إلى ترامب على أنه يحول بلادهم إلى مزرعة خاصة برفضه الخيار الديمقراطي، وهو ما حدا بكثير منهم لتقديم استقالته على غرار كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفاني غريشام، ونائبة السكرتير الصحفي سارة ماثيوز؛ بل إن بعض الوزراء نادوا بتنحيته قبل موعد انتهاء ولايته، تفعيلاً للتعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي؛ إذ يسمح هذا التعديل لنائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة بأن يُقيلوا الرئيس إذا وجدوا أنه «غير قادر على تحمّل أعباء منصبه».

على الرغم من أن ترامب سيودّع البيت الأبيض بعد أقل من أسبوعين، فإن تصرفاته وتصريحاته غير المسؤولة أحدثت صدعاً في المجتمع الأمريكي قد يصعب رأبه، لاسيما أنه يتمتع بقاعدة شعبية كبيرة، وأن الملايين من أنصاره باتوا ينظرون إلى الحزب الديمقراطي على أنه سلب رئيسهم حقه بالفوز، وهو ما ينقل الخلاف بين الحزبين إلى منحى آخر، وما يُجذِّر الخلاف أكثر هو سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وهو ما يؤشر إلى أن فترة رئاسة ترامب كانت وبالاً عليه وعلى حزبه، وأنها أحدثت انقساماً حتى بين أركان الحزب نفسه، ما أفقد الحزب مصداقيته وفاعليته؛ لذا فإن الجمهوريين باتوا اليوم أمام امتحان لإعادة الثقة لجماهيرهم، لاسيما بعد أن صوتت ولايات عدة كانت محسوبة على الجمهوريين، لمصلحة بايدن. 

الهزة الكبيرة التي أحدثها ترامب سترافق المرحلة المقبلة، ولن يكون من السهل التعافي منها، فالمجتمع المنقسم يحتاج إلى جهود مضنية لإعادة اللحمة إليه؛ كي لا يتم الترحم على «الديمقراطية الأمريكية».

[email protected]

التقييمات
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yx9dpmal