الاختلاف لا يعني عداوة

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

مهرة سعيد المهيري

أريد التنبيه إلى شيء غائب في حياتنا العربية. لقد تناسى الجميع ثقافة مهمة جداً، وهي ثقافة الاختلاف. فمع الحرية في التعبير جاءت الصدمة. إننا لسنا وحدنا في هذا الكون، بل هناك حتماً من يفكر غيرنا، ومن يحمل رأياً مخالفاً لنا، وبدلاً من تقبل هذا الاختلاف، أصبح هناك هجوم في كل مجال ممكن.

   أشياء عظيمة وكثيرة في هذه الدنيا بدأت بفكرة مجنونة، مثل طيران الإنسان بلا أجنحة أو ريش، والأجسام المعدنية القادرة على السير وحمل البشر والأثقال دون خيول تجرها، نقل الصوت عبر العالم، الهبوط على سطح القمر.. هذه الأفكار احتاجت إلى مبدعين على أرض الواقع، نشطين لا يقفون بسبب إخفاق أو فشل . فلابد أن نتعامل مع القضايا المطروحة للنقاش بمرونة وأن نحترم وجهات نظر الأفراد الآخرين، وندرك أنهم بين مؤيد ومعارض ومحايد. خُلِقت الحياة على اختلاف وهذا شيء طبيعي نختلف جميعاً في الشكل والصفات وردود الأفعال. إذا اختلفت مع غيرك من البشر فلتكن كيّساً فطناً في ردة فعلك فالعنف والمعايرة وتذكر الأفضال وسوء الظن بالناس وإلقاء التهم الباطلة عليهم ومحاولات الإساءة لمن يخالفك في رأي أو موقف لا يؤدي في النهاية إلى التسامح والعفو والصفاء، إنما يؤدي إلى الابتعاد والقطيعة. 

   من الجيد تجاوز فكرة أن الآخر مخطئ، والانتقال إلى فكرة التعلم من الآخر وخلق مفهوم جديد يجمع بين الأفكار والقيم المتباينة بشكلٍ عادل. فلا بد أن نتعامل مع القضايا المطروحة للنقاش بمرونة وأن نحترم وجهات نظر الأفراد الآخرين، وندرك أنهم بين مؤيد ومعارض ومحايد، فكل رأي يحتمل الخطأ والصواب، الأمر الذي يجعل الحوار صعباً لعدم القدرة على التعاطي مع الأفكار والاختلافات بمنهجية صحيحة وأصول واضحة، فتتولد نزاعات لا فائدة منها، وبالتالي تتسع الفجوة وتظهر بوادر الفرقة والابتعاد، في الوقت الذي من حق الكل أن يقول ما يريد، ويعتنق من الأفكار ما يشتهي.   

    وفي المقابل على الطرف الآخر أن يسمع ويقدّر، لتنتج عن ذلك منهجية صحيحة محاطة بضوابط وأصول علمية ، فيعيش الجميع جواً متجرداً من التجريح والإقصاء والحيدة والغموض، شريطة أن تخلو الاختلافات في النقاشات ووجهات النظر من الجاهلين، لأن المرء الجاهل عندما يشارك في قضية ما ، لا يعرف من الحديث إلا ما يعتقد أنه الصحيح، فتراه يناقش ويدافع عن وجهة نظره بقوة وشدة ومن دون حجة أو بينة مقنعة، متسلحاً برفع الصوت والانفعال والاستشهاد ببعض الأمثلة النادرة والشاذة لفقده ثقافة فن الحوار وحسن الإنصات وتقبل الرأي والرأي الآخر. 

   وإذا كان الحوار سامياً تكون الحقيقة واضحة والرؤية ناضجة، فمن الواجب أن نتقبل أفكار الآخرين، ونتفهم وجهات نظرهم، ولا نتمسك برأي واحد، فحين نختلف لا يعني هذا أن أحدنا على خطأ والثاني على صواب، بل قد نكون جميعاً على صواب لأن كلاًّ منا يرى من زاوية لا ينظر منها الآخر، فالذي يحترم وجهات نظر الآخرين يمتلك إمكانية تكوين رؤية أشمل وأكثر تكاملاً للحياة، فكل وجهة نظر خاصة تستحق الاحترام، لأن كل إنسان له مفاهيمه ونظرته الخاصة به، والتي يبنيها كما يرى الحقيقة من وجهة نظره، فليس هناك من يمتلك الحقيقة المطلقة، بل كل منا يمتلك جزءاً منها. هذا في سياق عام شخصي ومجتمعي. لكن لا أرى أن من غير الطبيعي تعميمه على الدول، حتى وإن تقاطعت المصالح أو تضاربت التوجهات. 

   القواسم المشتركة بين الدول، وخصوصاً تلك التي تقوم على العلاقات الاجتماعية قبل السياسية، هي البيئة التي تتيح الحوار وتبعد الفرقة. الخليج يعيش لحظة فارقة من الزمن وبحاجة إلى كل ما اختزنه التاريخ من علاقات وإحساس بالمصير المشترك. والحديث عن بناء الثقة ومد الجسور أمر بنّاء وموضوعي، بل ويستوعب الاختلاف ويمهد للحوار.   

    الاختلاف لا يعني بالضرورة تأسيساً للعداوة، خصوصاً في بيئة متجانسة وتحت مظلة جامعة أساسها الإحساس بأننا أسرة واحدة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxmahbpf