التغيير الأمريكي المحتوم

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

ما يحدث في الولايات المتحدة منذ الاقتراع الرئاسي في الثالث من نوفمبر الماضي، ليس بالوسع استيعابه بسهولة لأنه خارج عن المألوف والعرف، ولم يكن من التقاليد أن ترافق الانتخابات الأمريكية اعتراضات عنيفة على النتائج ولا اقتحامات للمقرات الفيدرالية، ولا رئيس منتهية ولايته، يقضي آخر أيامه الرئاسية في عزلة تحت التهديد بالعزل.

 قبل الانتخابات كانت الأغلبية الساحقة من استطلاعات الرأي واتجاهات الخبراء تشير إلى هزيمة الرئيس دونالد ترامب أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن وقد تحقق ذلك فعلاً. لكن لم يتوقع أحد أن تتدحرج الأمور إلى هذه الدرجة من التدهور، ويصبح الحديث عن الولايات المتحدة كالحديث عن أي دولة افتراضية لا تملك تقاليد ديمقراطية، ويصل حكامها إلى السلطة إما عن طريق الانقلابات أو التمرد المسلح. ومن مفارقات هذا العصر، وبعد حادثة اقتحام مقر الكونجرس، أصبح هناك حديث رسمي في واشنطن عن محاولة انقلاب وتمرد مسلح، وازداد الأمر سوءاً بحديث مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» عن ميليشيات مسلحة مدربة تدريباً جيداً تخطط لاقتحام واشنطن قبل يوم تنصيب بايدن في محاولة لقلب نتيجة الانتخابات وتثبيت ترامب في البيت الأبيض ولاية أخرى أو ولايتين، كما كانت تطمح بعض الجماعات المتطرفة.

 سرد ما يجري في الولايات المتحدة يحتاج إلى تدبر عميق، فما حدث سيتوقف عنده التاريخ وسيضع هذا البلد الكبير أمام منعطف للتغيير بعد أربع سنوات من الاضطرابات والرئاسة غير المألوفة مع ترامب. فللمرة الأولى سيخرج رئيس من البيت الأبيض ملاحقاً بقائمة طويلة من الاتهامات والخروقات، وربما سيتم عزله قبل انتهاء ولايته. أما امتناعه عن حضور حفل تنصيب خلفه فسيلحق بسمعته مزيداً من المتاعب، بينما ستظل أسوأ مخلفاته الانقسامات العميقة التي أحدثها في المجتمع الأمريكي والبلبلة والفتنة التي أحدثها داخل مؤسسات الدولة، وتحديداً بين البيت الأبيض والكونجرس، وبين السلطة الفيدرالية وحكومات الولايات، وبين واشنطن وحلفائها في العالم، خصوصاً بعد القرارات العشوائية التي تسعى إلى تسميم الأجواء أمام إدارة بايدن المنتظرة.

 من الواضح أن الأيام المقبلة لن تكون طيبة للولايات المتحدة، فهناك مفاجآت وفضائح وحقائق ومخططات صادمة لم يكن أحد يتوقعها، ولم تكن قابلة للتصديق لو لم تحدث ويشهدها العالم بالصوت والصورة، وأصابت كبرياء هذه الدولة العظمى في العمق. 

 وحتماً، فإن كل المشكلات ستترك آثاراً لفترة وستعطل محاولات التدارك الأمريكية لتجاوز محنة وباء كورونا والتعامل مع المنافسين الدوليين. ولن يكون للعالم مصلحة في أن تغرق الولايات المتحدة في أزمة داخلية، لأن ذلك قد يؤدي إلى تداعيات سلبية ويحدث اختلالاً في التوازنات القائمة. ورغم أن هذا العصر لا يمكن التنبؤ بتطوراته، يمكن الاعتقاد بأن تغييراً كبيراً بصدد التشكل في واشنطن، وهو تغيير محتوم سيسعى لتصحيح الصورة الأمريكية لتعود إلى أصولها ليس إلى ما قبل عهد ترامب، وإنما إلى ما قبل عقود من هذه اللحظة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4xynzk2