عادي

تحوّر الفيروس يُقلق العالم

23:16 مساء
قراءة 4 دقائق
1

إعداد: بنيمين زرزور

ما إن استبشر العالم خيراً بالإفلات من قبضة أكبر جائحة شلت اقتصاداته، وحاصرت شعوبه، وضيقت سبل العيش؛ وذلك بعد نجاح تجارب إنتاج عدد من اللقاحات، والمباشرة بعمليات التلقيح، حتى طرأ تحول خطر في معركة المواجهة مع «كورونا» بظهور سلالة متحورة عنه؛ أثارت الذعر من جديد حتى قبل أن يعرف العالم طبيعة تكوينها، ومدى خطورتها وفاعلية اللقاحات المنتجة حتى الآن في القضاء عليها.

كانت بريطانيا أول من أعلن عن ظهور مصابين بين أفراد الشعب البريطاني بالفيروس المتحور، وأنه سريع الانتشار، خاصة في المناطق التي تفشى فيها «كورونا» الأصلي جنوب شرق البلاد. وتم اكتشاف هذه السلالة لأول مرة في سبتمبر/أيلول الماضي، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني انتشرت الجائحة بين ما يصل إلى ربع عدد المصابين في لندن، قبل أن تصل هذه النسبة إلى الثلثين منتصف ديسمبر/ كانون الأول.

 فما طبيعة هذا الفيروس، وما مدى خطورته وتأثيره على خطط إنتاج اللقاحات حتى الآن؟

 قد يبدو الفيروس المتحور أمراً مخيفاً؛ لكن التحور سمة دائمة من سمات الفيروسات. وفي كثير من الحالات يكون التحور سلوكاً تلقائياً تفرضه دورة حياته، وليس بالضرورة أن يكون أقوى، ففي الأغلب تتلاشى السلالات المتحورة بوتائر أسرع من الأصل.

وقد تم رصد تغيرات في البروتين الشوكي أو مستقبلات الفيروس التي يستخدمها كسلاح أساسي في الارتباط بمستقبلات الخلايا البشرية قبل أن يخترقها؛ ليجندها لإنتاج حمضة النووي.

وسارعت مخابر متخصصة في الغرب إلى الإعلان أن الفيروس المتحور لا يؤثر في فاعلية اللقاح؛ لكن هناك من الأسباب ما يجعل العلماء أشد حذراً. فمعدلات انتشار هذه النسخة مرتفعة بين المصابين؛ ما يزيد من احتمال كون الفيروس المتحور أكثر تطوراً وأشد فتكاً. وربما تكون السلالة الجديدة قد نجحت صدفة في اختراق صفوف المصابين فقط؛ لأنه تهيأت لها الظروف المناسبة، وفي التوقيت المناسب، كأن يكون المصاب في حالة سفر أو اختلط مع مصابين في لقاءات عارضة. ولا تزال التجارب المخبرية تحاول التحقق مما إذا كانت النسخة المتحورة من الفيروس من النوع الأخطر والأكثر انتشاراً فعلاً.

 عملية التحور

ويقول البروفيسور نيك لومان خبير الفيروسات في مؤسسة «جينومكس» البريطانية، أن الفيروس يمتلك عدداً كبيراً من الطفرات التي يبدو بعضها مثيراً للاهتمام.

وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد أشار إلى أن السلالة الجديدة قد تكون أكثر قدرة على التفشي بنسبة تصل إلى 70 في المئة، وهي نفس النسبة التي أشار إليها إريك فولز، باحث جامعة إمبريال كوليدج في لندن.

 وقد أظهرت نتائج التجارب أن التحور يطرأ على بروتين النتوءات الشوكية التي تعلو جسم الفيروس، وهنا تثير هذه الطفرات أسئلة حول فاعلية اللقاحات التي صممت بحيث تدرب جهاز المناعة في جسم الإنسان على مهاجمة النتوءات الشوكية للفيروس، سواء منها لقاح شركة «فايزر» أو «وموديرنا» أو «أُكسفورد».

ويتحور الفيروس في إطار المواجهة مع مضاداته مرتين في الشهر الواحد تقريباً. ويقول العلماء: إن مقارنة الفيروس المنتشر حالياً مع أول نسخة ظهرت في ووهان قبل أكثر من عام، تبين أن هناك 25 طفرة طرأت على الفيروس.

 وقال أوغور شاهين رئيس شركة «بيونتيك» إن التحور لم يطل سوى واحد في المئة فقط من بروتين النتوءات الشوكية للفيروس، ما يعني أن نسبة 99% منه لا تزال على حالها، الأمر الذي يعزز الآمال بنجاح اللقاحات في مكافحته.

 وربما تبرر قدرة السلالة الجديدة على التفشي بوتيرة أسرع من سابقاتها، القلق المتزايد حول تبعاته مستقبلاً؛ نظراً لما تتطلبه من استجابات سريعة تفرض حالات طوارئ، وتزيد الضغوط أكثر على الأنظمة الصحية وعلى المستشفيات. مع ذلك يعتقد مسؤولو القطاع الصحي في العالم عموماً بأن اللقاحات سوف تقضي على الفيروس المتحور؛ لأن الجسم سوف يطور آليات مهاجمة النتوءات الشوكية للفيروس أياً كانت طبيعتها. ولعل هذا ما يدفعهم لتأكيد أن اللقاحات المنتجة حتى الآن سوف تفيد في القضاء عليه.

 سباق على اللقاحات

 ويخشى الخبراء من أن تسفر عملية التطعيم الجماعي عن زيادة الضغوط على الفيروس؛ بحيث يضطر لبدء أنشطة تحور جديدة؛ بحيث ينتقل إلى الأشخاص الحاصلين على اللقاح أيضاً. وفي هذه الحالة سوف يدخل العالم في دورة سباق بين تطوير اللقاحات وتحور الفيروس، وهذه الظاهرة معروفة لدى العلماء من تجاربهم السابقة في مكافحة الإنفلونزا.

 وتوفّر اللقاحات التي وضعت في الاستخدام الفعلي حتى الآن جدار صد منيعاً ضد السلالات الموجودة من فيروس كورونا.

 وتساعد اللقاحات جهاز المناعة في مهاجمة أجزاء عديدة مختلفة من الفيروس، وحتى لو طرأت طفرات جينية على أجزاء منه، فإن اللقاحات تدعم جهاز المناعة في مواجهة تلك الطفرات.

 يحتاج إلى وقت

وذكر موقع المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، أنه من المحتمل الإصابة بكورونا حتى بعد الحصول على اللقاح مباشرة، لأن اللقاح يستغرق بضعة أسابيع لتكوين المناعة من الفيروس، ولهذا فإن إصابة الأشخاص بالفيروس بعد التطعيم مباشرة قد يرجع لعدم إعطاء اللقاح الوقت الكافي لتشكيل الأجسام المضادة، وعليه فمن الضروري أن يحافظ الفرد على قواعد التباعد الاجتماعي والوقاية من الفيروس لفترة كافية بعد حصوله على اللقاح. ويتم إعطاء اللقاح على جرعتين يفصل بينهما ثلاثة أسابيع، وبعد أربعة أسابيع من التطعيم الأول، يكون الجسم آليات حماية كاملة من الفيروس.

 وهناك أمر بالغ الأهمية يتعلق بالمدة الزمنية التي يبقى فيها اللقاح فاعلاً في الجسم. والحقيقة أن العلم لم يستطع حتى الآن تحديد هذه المدة بشكل دقيق. ويقول أوغور شاهين إنه وفريقه يفترضون أن اللقاح سيكون فاعلاً لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، ويطمحون إلى إطالة فترة الحماية إلى عامين.

 ولا شك أن تاريخ صراع البشرية مع الأوبئة يحمل ما يكفي من بواعث الأمل وبث الشعور بالطمأنينة في كسب نتيجة هذه المواجهة خاصة بعد أن شهد العلم وتقنيات البحث قفزات متتالية. إلا أن رهانات الشركات المحكومة بقيود الربح والخسارة، وربما رهانات الدول أيضاً في هذه المواجهة التي اتخذت طابعاً سياسياً في بعض جولاتها، تزيد من الشعور بالقلق حول المدة الزمنية التي قد يستغرقها الخلاص من الجائحة.

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4d5f39j