عادي

24 ساعة هزّت أمريكا

23:23 مساء
قراءة 4 دقائق
1

كتب -المحرر السياسي:

تمكن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من شد أعصاب العالم على مدى أكثر من شهرين، مثيراً مخاوف الاستعصاء في البيت الأبيض حتى قبل إجراء الانتخابات الرسمية في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني. وجاء اقتحام مبنى الكابيتول عند اجتماع مجلس الشيوخ لاعتماد نتائج المجمع الانتخابي، ليشكل ذروة الإثارة في حبكة قد لا تخرج العملية الديمقراطية عن مسارها الطبيعي في الولايات المتحدة، رغم كل تناقضات المشهد السياسي.

في أحدث فصول الزوبعة دعا دونالد ترامب، إلى المصالحة وتضميد الجراح، مؤكداً أنه يريد انتقالاً سلساً للسلطة إلى إدارة خلفه الرئيس المنتخب، جو بايدن، معلناً أنه لن يحضر حفل التنصيب يوم 20 يناير/ كانون الثاني.

 وتعتبر هذه الخطوة الأهم التي يلتقي فيها ترامب مع بايدن في الدعوة للمصالحة، ولم شمل الأمريكيين، ما يعكس تناقضات باتت تطفو على السطح ليس في الديمقراطية الأمريكية فقط، بل في الأنظمة الليبرالية الغربية. ومع ذلك كانت تلك الكلمات الباعثة على الارتياح هي المبادرة الأولى للرئيس المتمرد باتجاه تخفيف التوتر الذي تسبب به التنافس الانتخابي، وما صاحبه من إشكالات. وقال ترامب في مقطع فيديو نشره على حسابه في موقع «تويتر»: «هناك إدارة جديدة سوف تُنَصّب في 20 يناير. وينصبّ تركيزي الآن على ضمان انتقال هادئ، ومنظم، وسلس للسلطة. هذه اللحظة تتطلب تضميد الجراح، والمصالحة».

 وربما استدعت أحداث اقتحام مبنى الكابيتول تغييراً في الخطاب المتشدد للرئيس ترامب الذي اتهمته قوى سياسية عدة بتحريض أنصاره على الاقتحام خاصة مجموعة «براود بويز»، أو «الشباب الفخورون» اليمينية المتطرفة التي تنادي بتفوق العرق الأبيض الأمريكي، وتعادي المهاجرين، والأقليات من كل الجنسيات. ووسط دعوات متكررة لتفعيل المادة 25 من الدستور التي تتيح عزل الرئيس، والمطالبة ببدء إجراءات تنحيته حتى من قبل بعض الجمهوريين، كان لا بد من تغيير مسار ترامب، أو تخفيف حدة خطابه، لكن ذلك لم يمنعه من تكرار القول إن الانتخابات لم تكن نزيهة.

 ويجد ترامب نفسه بعد هذه التطورات في مواجهة رأي عام أمريكي يحمّله مسؤولية كل ما جرى، وقد يعرّضه للمساءلة القانونية خاصة بعد أن تسببت أعمال الشغب الأخيرة في مبنى الكابيتول بوقوع ضحايا. ولعل هذا ما دفع المحللين إلى الحديث عن إصدار الرئيس عفواً عن نفسه قبل نهاية ولايته، وهو أمر كان متوقعاً قبل الأحداث. وفي الوقت نفسه سوف يتحمل ترامب مسؤولية زعزعة الديمقراطية في بلد يعتبر رائداً عالمياً على هذه الصعيد، وزعيمة العالم الحر. كما يجد نفسه في مواجهة حملة انتقادات عالمية تتهمه بتحويل الولايات المتحدة إلى نموذج جديد من دول العالم الثالث.

 ونذكّر هنا بأن رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، دعت إلى تنحية الرئيس، معتبرة أن هذه الخطوة «أمر عاجل ومهم للغاية»، وهددت باتخاذ الكونجرس إجراءات لمحاكمته، ومحاسبته، برلمانياً ما لم تتم تنحيته بموجب المادة 25.

 حدث غير عابر

 والحقيقة أن ما جرى لم يكن حدثاً عابراً. فقد نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقالاً جاء فيه: «لم يحدث أبداً في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأمريكية أن هزت أحداث خلال 24 ساعة رئاسة مجلسي النواب، والشيوخ، ومبنى الكابيتول، والأمة نفسها، كما جرى يوم 6 يناير / كانون الثاني. وقد سارع الشامتون في العالم إلى التبشير بتصدع الديمقراطيات الغربية، وبداية زوالها، مستشهدين بما شهدته السنوات الأخيرة من صعود للحركات الشعبوية في القارة الأوروبية متسلقة على سلم التفاوت الطبقي الذي يتعمق عاماً بعد عام».

 وذهبت توقعات المراقبين إلى حد القول إن نتائج الانتخابات قد تقود إلى تدشين مرحلة جديدة من العنف والفوضى في الولايات المتحدة، خاصة في ظل الزيادة الكبيرة في مبيعات الأسلحة التي شهدتها البلاد مؤخراً.

 أزمة مزدوجة

 وقال محللون إن الإمبراطورية الأمريكية تعيش أزمة مزدوجة داخلياً، وخارجياً. فعلى المستوى الداخلي هناك مجتمع تمزقه الخلافات العرقية بين البيض والسود، والتي تحرض بعض مكونات المجتمع على التعبير بأشكال غير تقليدية عن استيائها من ممارسات السلطات ضدها، خاصة اعتداءات الشرطة على السود التي بلغت ذروتها في تنظيم حركة «حياة السود مهمة». كما تعمق الفوارق الطبقية بين أفراد الشعب الأمريكي شرخاً قديماً متجدداً يزداد كل يوم بفعل القوانين المالية التي تخدم الأغنياء فقط، وهي التهم التي باتت توجه باستمرار لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسياساته المالية التي تصب في خدمة «وول ستريت» حسب الشرائح الأفقر.

 الترامبية قد لا تزول

 ويخشى ألا يكون ترامب مجرد رئيس عابر، بل تترسخ بعده تقاليد الترامبية التي تثير قلقاً متزايداً لجهة تعميق الهوة بين مكونات المجتمع الأمريكي الذي صار مستقطباً لتيارات، بعضها عنصري أبيض يطالب بطرد الأقليات التي يعتبرها خطراً على وظائف الأمريكيين ومصادر رزقهم، وتيارات أخرى تدعو لفتح الباب أمام المهاجرين الذين هم محرك الابتكارات والتطوير، وحافظة الإيرادات الضريبية.

 ولعل هذا ما يفسر اتهام البعض الرئيس ترامب بتحشيد البيض المتعصبين، والسعي لإحداث انقلاب خطير، وربما يكون ممتداً لفترة طويلة ويهدد التقاليد السياسية الراسخة في الديمقراطية الليبرالية، التي أغلقت الباب في وجه أشكال التعبير سابقاً عن المواقف العنصرية تجاه أي فئة، أو طائفة في المجتمع.

 طريق بايدن.

وربما صبت التطورات الأخيرة في مصلحة الرئيس المنتخب الذي يرفع شعار توحيد الأمريكيين، خاصة بعد فوز مرشحَين من الحزب الديمقراطي في انتخابات ولاية جورجيا التكميلية ما منح الحزب الديمقراطي الأغلبية في مجلسي النواب، والشيوخ. وسيكون هذا أمراً حاسماً لدفع خطط بايدن، بما في ذلك القضايا الرئيسية، مثل الرعاية الصحية، والقوانين الخاصة بالبيئة، التي تلقى معارضة شديدة من الجمهوريين. ويمنح الدستور كلاً من رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، ونائبة الرئيس، كامالا هاريس، ميزة تعديل الكفة لمصلحة الديمقراطيين، وهذا يعني أن الطريق أمام بايدن ربما باتت معبّدة، وقد ضمنت السيطرة على مجلس الشيوخ الموافقة السهلة على مرشحي بايدن للمناصب الوزارية والقضائية.

ورجح المحللون أن يواجه بايدن عقبات رغم كل ذلك، وسوف يعمل في ظروف صعبة في مواجهة مجتمع منقسم، يطالبه باستيعاب العديد من المهمات الاستراتيجية الصعبة، منها ما يتعلق بحروب ترامب التجارية، خاصة مع الصين، ومنها ما يتعلق بفوضى ترامب، خاصة على مستوى الانقسام في المجتمع الأمريكي.

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3ock82v