الشماتة السياسية

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

لعل إحدى النتائج الجانبية لأزمة وباء «كورونا» منذ مطلع العام الماضي، إصابة الإعلام التقليدي بآفات مواقع التواصل في ملمح سلبي هو السقوط في فخ «تسييس» الوباء، رغم أنه لا يد للبشر في حدوثه بالأساس، وإن كان عليهم تبعة مقاومته، ومكافحته. فوباء كورونا مثل ما يطلق عليه في وثائق التأمين «قوة قاهرة»، أي ليس من صنع بشر. 
 وبالتالي لا يمكن لحكومة، أو نظام، أو سلطة التحكم في انتشاره، وإصابته للناس، وربما وفاتهم.
نعم، يمكن محاسبة بعض السلطات على تراخيها في مكافحة الوباء، ولوم جماهير على عدم التزامها بتعليمات السلطات، بما يحد من انتشار الوباء، لكن وصول الأمر إلى حد «الشماتة» فهو أمر لا يمكن فهمه، ولا يصح إلا وصفه بأنه علامة ضعف، وجهل، وتجاوز إنساني. وإذا كنا نعيب على اتباع «تنظيم الإخوان» الإرهابي شماتتهم في مرض، أو وفاة من يكشفون زيفهم، فالأحرى بنا ألا نقع في الخطأ نفسه.
 فمنذ بداية وباء كورونا مطلع العام الماضي، دأبت بعض وسائل الإعلام على نشر أخبار انتشار الوباء، وأرقام الإصابات، والوفيات، بطريقة تنم عن «شماتة سياسية». فتجدها مثلاً تنشر أرقام البلاد التي بينها وبين بلدها توتر بطريقة «ارتفاع أعداد الإصابات»، و«المزيد من الوفيات». ويتجاهل الجميع أن ارتفاع أعداد الإصابات غالباً ما يكون مرتبطاً بتوسع بلد ما في إجراء الفحوص لمواطنيه، وبالتالي تأتي أرقام الإصابات عالية من دون أن يعني ذلك تقصيراً، أو «عقاباً من السماء» لهذا، أو ذاك، على طريقة الضلال «الإخواني».
 ثم إن أوضاع الدول تتباين، فليست كلها قادرة على توفير الاختبارات لشعبها، أو حتى العلاج في المستشفيات العامة. كما أن دولاً أخرى لا يتحمل فيها الناس كلفة المستشفيات الخاصة، ولا حتى ثمن الاختبار، فتمضي الإصابات، وتشفى، من دون تسجيلها، أو الإعلان عنها. كما أن هناك وفيات كثيرة يشتبه فيها، فتسجل على أنها حالات كورونا، من دون أن يعني ذلك تأكيد أن الفيروس هو سبب الوفاة. 
 الخلاصة، أن ما قد يكون مقبولاً على «فيسبوك»، أو «تويتر» لا يصح أن يكون أسلوب وسائل إعلام تقليدية. فالشماتة عامة ليست سوى خصلة تدل على هبوط أخلاقي، وقيمي، وتعكس دونية لدى من يطلقها، أكثر مما تضر من توجه نحوه. وليست الشماتة السياسية استثناء.
 وبلغت تلك الشماتة السياسية ذروتها في الأسبوع الأخير تعليقاً على الاقتحام المخزي من قبل أنصار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لمبنى الكابيتول الذي يضم مجلسي الكونجرس: النواب والشيوخ. حيث سارع البعض للشماتة بالولايات المتحدة، ومعايرتها بما تتخذه من مواقف فيها «وعظ» للآخرين. بل إن البعض قارن ما يجري في أمريكا بما حدث في بعض دول المنطقة من احتجاجات، وتظاهرات قبل عشر سنوات. مع تجاهل الفارق الجوهري بين بلدان منطقتنا، والولايات المتحدة.
بالطبع، ولما لأمريكا من دور وتأثير في العالم، فإن انتقاد ما يجري فيها مبرر، ومنطقي. لكن، فليكن الهدف هو استخلاص الدروس وتوعية المتلقين للرسالة الإعلامية بخطورة التغول على مؤسسات الدولة من قبل عصابات عنصرية، حتى لو كانت تتمتع بغطاء سياسي. 
إن مشاعر الشماتة، مثل الحب، والكراهية، لا مجال لها في السياسة، والعمل العام. وبالتالي لا يصح أن تتبع وسائل الإعلام التقليدية والمحترمة تلك الموجات، أحياناً، كي تنافس مواقع التواصل، وما يبث عليها من هراء، وتلفيق، وتضليل. والشماتة السياسية هي دليل تراجع، ومجرد تغطية على الفشل، بل إنها في الواقع تضعف من قيمة الانتقاد والمعارضة السياسية حتى.
 ليت إعلامنا العربي يبتعد عن تلك السلوكات، ويتعامل مع مواقع التواصل، وغيرها على أنها مجرد أدوات تعزز من قدرته على توصيل رسالته، وليست هادياً له في إنتاج محتواه ينافسها في السطحية، والإثارة المعتمدة على التلفيق، والتضليل. وكلما زادت وتيرة السطحية والإثارة على الإنترنت ومواقع التواصل، كلما كانت هناك فرصة أكبر لوسائل الإعلام التقليدية لتستعيد دورها المهم كسلطة رابعة، وتعيد بناء المصداقية لدى السلطة، والجماهير كمنفذ رئيسي لنقل المعلومات والأخبار، والتحليل، والرأي.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yy6nvmuj