الشارقة: عثمان حسن
تتميز الحركة الفنية التشكيلية في الإمارات بديناميتها وسرعة استجابتها لكافة مدارس الفن المعاصر، غير أن هذه الاستجابة ورغم ما أنجزته من مستوى متطور وتجربة فريدة على مستوى الشكل والمضمون، ظلت أمينة لمفردات التراث الإماراتي، أو لنقل أنها عكست بكل صدق مفهوم الهوية والانتماء بكل شفافية واقتدار.
والتدرج في دراسة مسار التشكيل الإماراتي، يجعلنا نتوقف عند تجارب مهمة اتكأت على مفهوم (الكولاج)، حيث فن الكولاج كمصطلح يعتمد بصورة رئيسية على استخدام قصاصات الجرائد، أجزاء من الورق الملون المصنع يدوياً، الأشرطة وأجزاء من أعمال فنية أخرى، وأيضاً الصور الفوتوغرافية، التي يمكن تجميعها ولصقها على لوحة خشبية أو قطعة من القماش.
وقد وظفت التجربة الإماراتية فن الكولاج، للتعبير عن هموم وهواجس تشغل بال الفنان، واستخدمته كوسيلة مهمة للتعبير عن قضايا التراث والمعاصرة، والكولاج في فترة زمنية ليست بعيدة، كان فناً راسخاً على الساحة المحلية، واعتمد على استخدام تقنيات وأدوات جديدة، أو ما يعرف بالوسائط المتعددة كالرقمية وخلافها.
يمكن الوقوف عند بعض تجارب الكولاج الإماراتي، عند عبد الرحيم سالم، وعلي العبدان، وحسين شريف وغيرهم، ففي إبريل / نيسان 2017 انطلقت في مدينة العين في مركز القطارة، تجربة مهمة في «الكولاج» شارك فيها نحو 23 فناناً من الإمارات، نظمتها دائرة أبوظبي للسياحة والثقافة، شارك علي العبدان –حينذاك- في المعرض تحت عنوان «أرواح من الماضي» وثق من خلالها لسيرة شخصيات بارزة في التاريخ الإماراتي، بتحويل الصور اليومية، والكلمات الشائعة أو المتداولة على لسان الكثيرين إلى وثائق أرشيفية كأنها تروي القصص، عكست تجربة العبدان الأهمية التاريخية لشخصيات ورموز إماراتية قديمة كان لها إسهاماتها البارزة في المشهد الثقافي على مستوى منطقة الخليج العربي حتى اليوم.
أسئلة وطروحات
يقدم حسين شريف تجربة طرحت كثيراً من الأسئلة حول مفهوم الهوية من خلال معالجة فنية تعتمد بشكل رئيسي على إعادة إنتاج أو إبداع الصورة (الشغل المتكرر على الصورة) أو ما يعرف بالبناء والهدم، ليقدم مفهوماً جديداً في المعالجة الفنية من خلال الكولاج.
وتمزج الفنانة فاطمة المزروعي بين مجموعة من الصور واللوحات، ومن ضمنها لوحات في الخط العربي، لتعكس جانباً من الهموم الاجتماعية، وإيماناً منها بضرورة الالتزام تجاه الهوية والوطن، وتشاركها في هذا التوجه الفنانة منى المزروعي ففي لوحة «الجمال الذهبي» تجسد مفهومها للجمال والمعنى، بالغوص في التراث الإماراتي، مجسدة جمال البرقع الذي كانت ترتديه المرأة الإماراتية، فيبرز جمال عينيها، ومن دون مساحيق تجميل، حيث الجمال من وجهة نظرها يعبر عن جملة من القيم المطلقة، التي لا يمكن حصرها بزمن أو مكان محددين.
وتستخدم رحاب شريف أبو النجا في عملها «رحلة الأمل والنجاح» عدة تقنيات كألوان الإكليريك والشمع الزيتي، والنحاس الأصفر والألمونيوم، مجسدة حالة القوارب وهي تشق طريقها بين الأمواج، متخطية الكثير من الصعاب، أما عملها «سطوع الشمس» فكان تجربة أخرى تتأمل الإشراق والأمل.
الأبيض والأسود
للفنان المخضرم عبد الرحيم سالم تجربة مهمة في الكولاج، عكس من خلالها تأثيرات الأبيض والأسود، كمكونين يبثان الروح في أعماله، في إحدى الفعاليات في مقر جمعية الإمارات للفنون التشكيلية قدم سالم تجربة جميلة وبارعة بعنوان «الكولاج بين الأبيض والأسود»، معتمداً على مجموعة من الأساليب والتقنيات التي أضفت بعداً جمالياً في لوحاته المعروضة، من خلال توليفة مشكلة من الورق المطبوع والأحبار وأيضاً باستخدام أسلوب البناء والهدم بهدف صياغة شكل تجريدي وظف من خلاله بعدين أو ثلاثة، ذلك لأن الأسود والأبيض بحسب ما قال يعطيان (بعداً واحداً) كما هو في الخط العربي، فقدم مساحات لونية، حافظت على تكوين اللوحة فمنحتها صورة جمالية وتكويناً مشهدياً آسراً.
أثر ثقافي
يقدم الفنان علي العبدان عدة لوحات اعتمدت الدقة، فيكاد من يتفحصها يرى مجرد الوجه مرسوماً، ولكنه في الحقيقة عبارة عن قطع صغيرة من المجلات موضوعة بدقة، وقدم فيها بعض مشاهير الخليج، ومن الشخصيات التي رسمها الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، وهو من أقام أول دائرة معارف في دبي في الثلاثينات، وعمل أول خريطة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج، وطبعها في الهند، ومحمد بن فارس، وهو رائد فن الصوت والطرب البحريني، والأب الروحي لفن الصوت في الخليج، وشاعر الكويت فهد العسكر، حيث أراد لهذه الأعمال أن تكون بمثابة وثائق تُعرّف الأجيال الجديدة بهذه الشخصيات التي تركت أثراً ثقافياً واجتماعياً في الخليج.