الجماهير المخدوعة بإرادتها

00:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

ليس غريباً ولا جديداً أن يكذب السياسيون. عبر التاريخ ظلوا يتنفسون كذباً ويخدعون شعوبهم، أو على الأقل اقترف أغلبهم هذه الآثام. لهذا لا يبدو ما فعله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب شاذاً أو استثنائياً، بدءاً من أكاذيبه طوال الحملة الانتخابية، ثم سنواته الأربع في البيت الأبيض، وانتهاء بادعائه تزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
عبر التاريخ أيضاً كان هناك دائماً من تنطلي عليهم أكاذيب الساسة ويصدّقونها وينخدعون بها. أحد أشهر الكذابين ودعاة الكذب في التاريخ هو جوبلز وزير الدعاية النازي، الذي ترك ميراثاً ثرياً ونصائح ذهبية للسياسيين. وعبارته الخالدة: «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون»، صارت شعاراً ومنهجاً لأجيال من السياسيين والقادة.
لم يفعل ترامب غير ذلك وصدّقه بالفعل ملايين يعتقدون أنه الفائز الحقيقي في الانتخابات. ويظهر استطلاع لمعهد «بيو»، أن 64% من الجمهوريين يصدّقون هذه المزاعم، على الرغم من فشل ترامب في تقديم دليل واحد متماسك يؤيدها.
وجه الغرابة هنا ليس في تضليل الجماهير، ولا في نجاح عملية خداعها، فعلى الدوام كان هناك مخدوعون، لكن الغريب أن يكونوا بهذا العدد الضخم في ظل انتشار وسائل إعلام حرة تنقل ما يحدث على الهواء، بما يجعل من الصعب  إن لم يكن من المستحيل  في أمريكا بالذات، تنفيذ جريمة تزوير بهذه الضخامة وبصورة متزامنة في 50 ولاية دون افتضاحها.
يطرح نجاح ترامب في إقناع الملايين بوجود مؤامرة أسفرت عن تغيير نتائج الانتخابات، سؤالاً مهماً هو: لماذا تنخدع الجماهير؟ ولماذا تصدق أكاذيب لا يوجد دليل على صحتها؛ بل مئات الأدلة على تهافتها وكذبها؟ لن نجد إجابات شافية لدى السياسيين، لكن لدى علماء النفس تفسيرات كافية ومفيدة.
أحد هؤلاء وهو الدكتور بول ايكمان، يقدم تفسيراً جيداً في كتابه «اكذب»، خلاصته أن الناس عموماً تكون لديهم رغبة حقيقية لتصديق شخص ما، لأسباب عاطفية أو نفسية، بصرف النظر عن صدقه أو كذبه. يوضح أيضاً أن شعوراً مؤلماً يتولد في نفس الإنسان عندما يعرف أو يعترف بأن الشخص الذي يحبه سواء كان صديقاً أو قريباً أوسياسياً، يكذب، ومن ثم يرفض الإقرار بكذبه، ويميل إلى تصديقه ولا يحاول حتى تمحيص أقواله. وهذا تماماً ما يفعله المؤيدون لترامب.
وبسبب الإحساس بالألم إذا اعترف الشخص بأن الزعيم الذي يحبه أو يؤيده يكذب، فإنه لا إرادياً يختار أن يتجاهل كل الواقع الذي يمكن أن يدين هذا الزعيم، ومن ثم يصدق كل ما يقوله.
وفي الحالة الأمريكية، فإن المصرّين على تصديق ترامب يرفضون حقيقية فوز منافسه؛ لأنها تتناقض مع صورة ترامب في أذهانهم أو تشوّهها، أو تصطدم مع رغباتهم. ويقدم الدكتور كارل الاسكو الخبير النفسي شرحاً لهذه العملية النفسية المعقدة في كتابه «هراء عاطفي»، يوضح فيه أن الإنكار هو آلية دفاع ذاتي يلجأ إليها الشخص لحماية نفسه من الإحساس بالألم، إذا اكتشف أو تأكد أن من يتعاطف معه يكذب.
ويوضح تقرير لمعهد «مايو كلينك» الطبي أن هذه الآلية هي وسيلة حماية للشخص من صراع نفسي أو ضغط عصبي، في حالة قبول معلومات أو آراء لا يريدها ولا يتحمل الاعتراف بها. بمعنى أن الرفض يكون وسيلة تجلب الراحة إلى نفسه. ويفسر هذا لماذا تنقاد الجماهير وراء من يخدعها؛ لأنها لا تتحمل العواقب النفسية لتكذيبه.
تكمل مجلة «كريستيان ساينس مونيتور» الصورة، بالقول، إن الناس في العادة يميلون إلى تصديق ما يريدون سماعه وما يتوافق مع أهوائهم ورغباتهم، حتى لو لم تكن هناك شواهد أو أدلة تدعمه؛ بل قد تكون كل الشواهد والأدلة تتناقض معه وتنفيه. وبالمقابل يستبعدون ويتجاهلون أي معلومات لا تصادف هوى في نفوسهم، أو تتعارض مع قناعاتهم المسبقة.
إنها دعوة للخداع تقدمها الشعوب مجاناً لقادتها، وهؤلاء يتلقفونها بسرور، ولا عزاء للمغفّلين.

[email protected]

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yygcgrry