(فيديو).. ثمن اللامساواة في أمريكا اللاتينية

دروس وتحذيرات لبقية العالم
23:14 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1
Video Url

عن المؤلف

الصورة
1
دييجو سانشيز أنكوشيا
أستاذ الاقتصاد السياسي للتنمية في جامعة أكسفورد

من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة، ومن الصين إلى الهند، أدى تزايد اللا مساواة إلى استياء شعبي، وظهور أحزاب شعبوية، ما ساهم فعلياً، في حدوث أزمات متعددة. ويتناول العمل تجربة أمريكا اللاتينية كواحدة من أكثر المناطق غير المتكافئة في العالم، لتوضيح كيف أضعف التفاوت في الدخل العملية الديمقراطية، وأحدث انقسامات اجتماعية وسياسية في بيئة تنعدم فيها الثقة.

ما يجعل مناقشة أمريكا اللاتينية ذات أهمية خاصة اليوم، هو أن مشاكل مماثلة تتجلى بشكل متزايد في العديد من البلدان الأخرى. ونجد أن عدم المساواة وازدواجية سوق العمل والأزمات المالية وعدم الاستقرار السياسي، آخذة في الازدياد في كل مكان. وتبدو البلدان الغنية، مثل الولايات المتحدة، أكثر شبهاً بأمريكا اللاتينية، وإذا لم تعكس الاتجاه، فقد تعاني التفاعلات السلبية نفسها على المدى الطويل. ولسوء الحظ، سيصبح تجنب تكاليف عدم المساواة أكثر صعوبة. وتظهر أمريكا اللاتينية أن عكس فجوة الدخل أمر صعب على وجه التحديد بسبب ردود الفعل السلبية السياسية والاقتصادية.

 وفي السنوات الأخيرة، نما كلا العملاقين الآسيويين، الصين والهند، بسرعة، بينما شهدا تركيزاً متزايداً للدخل في القمة. ونتيجة لذلك، فإنهما يشهدان نوعاً من السياسات التي تحركها النخبة والضعف المؤسسي الذي كان واضحاً في أمريكا اللاتينية لأكثر من قرن. ومع تباطؤ اقتصاداتها نتيجة وباء «كورونا» يمكن أن تصبح الآثار السلبية لعدم المساواة في الدخل أكثر وضوحاً، وتغذي السخط الاجتماعي. وفي أجزاء أخرى من العالم النامي، يعتبر عدم المساواة بالفعل مصدراً متزايداً للتوترات الاقتصادية، والسياسية أيضاً.

 ويرى هذا الكتاب أننا بحاجة ماسة إلى فهم أفضل لجذور وأثمان هذه الفجوات في الدخل، إذ يرى أن النمو المنخفض والسياسات الإقصائية والعنف وانعدام الثقة الاجتماعية، أدت إلى تعزيز عدم المساواة، وخلق حلقات مفرغة مختلفة في أمريكا اللاتينية، ما دفع إلى بروز صورة مقلقة لما قد يحمله المستقبل في البلدان الأخرى إذا لم نتحرك بسرعة.

 ويقدم هذا الكتاب، الصادر عن دار «آي.بي.توريس» في ديسمبر/ كانون الأول 2020 باللغة الإنجليزية ضمن 216 صفحة، بعض الدروس المفيدة حول كيفية محاربة تركيز الدخل بيد قلة قليلة، وبناء مجتمعات أكثر إنصافاً ليس في أمريكا اللاتينية فقط، بل في كل العالم.

 أرض اللامساواة

 يقول الكاتب أنكوشيا: «احتلوا وول ستريت، الاحتجاجات ضد التقشف في إسبانيا واليونان، النجاحات الانتخابية لترامب، سالفيني، أردوغان، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأزمة المالية لعام 2008 وغيرها.. اعتقدنا أن العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين كان مضطرباً إلى حد ما، ومع تفشي وباء كورونا أصبحت الأمور أكثر تعقيداً. يبدو أن العالم في حالة صدمة مستمرة، حيث يعاني الملايين من الناس. فعلى الرغم من الحد من الفقر في العديد من البلدان، وتحول العالم أكثر ثراءً من أي وقت مضى، فإن عدداً متزايداً من الناس يشعر بالاستياء. إنهم يرون أن الأغنياء يزدادون ثراء، ويقلقون بشأن مستويات معيشتهم الراكدة. ويعتقد الكثيرون أن أطفالهم سيكونون أسوأ حالاً منهم، ويشككون في الاقتصاد، وفي أن السياسيين سيفعلون الكثير لتغيير الأشياء. قد يكون الوباء قد حوّل انتباهنا على المدى القصير، ولكن من المرجح أن يجعل الأمور أسوأ، ما يخلق فجوات أكبر في الدخل».

 وقرر الكاتب أن يعمل على هذا الكتاب انطلاقاً من إدراكه أن الكثير من العالم يشهد اللامساواة، مستفيداً من تجربة أمريكا اللاتينية، ويقول: «نعلم جيداً مدى العواقب الكارثية لتركيز الدخل والفرص في أيدي قلة. ساهم عدم المساواة تاريخياً في أمريكا اللاتينية - وهي واحدة من أكثر المناطق غير المتكافئة في العالم - في العديد من العلل الاجتماعية، من انخفاض النمو الاقتصادي، إلى المؤسسات الديمقراطية الضعيفة، والمستويات المرتفعة من العنف، الشعبوية، والأزمات المالية، والاستقطاب الاجتماعي للوظائف السيئة: لقد صارعت أمريكا اللاتينية كل هذه المشاكل أكثر من قرن».

 لقد زادت الأحداث الأخيرة في القارة من أهمية هذا الكتاب، وقد أظهرت الاحتجاجات الاجتماعية في تشيلي وكولومبيا، وثورات السكان الأصليين في الإكوادور، والتوترات السياسية في بوليفيا، مرة أخرى، مدى صعوبة الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في بيئات غير متكافئة للغاية. وتشير هذه الحالات أيضاً إلى الخطر المتزايد في جميع أنحاء العالم. وعندما يصبح الأثرياء أكثر قوة، فإنهم يمارسون المزيد من السيطرة على النظام السياسي، ويصبح الناس أكثر استياء، ويزداد عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما يؤدي إلى توزيع أسوأ للدخل.

 تغيير السياسات الراهنة

 وعلى الرغم من أن الكتاب يشكل تحذيراً في المقام الأول، إلا أنه يقدم أيضاً أفكاراً حول كيفية تغيير المسار.  يرى الكاتب أننا «بحاجة إلى تقوية الحركات الاجتماعية وجعلها أكثر نفوذاً على الصعيد السياسي. يجب علينا مراعاة الآثار التوزيعية عند تقديم أي اقتراح للسياسة؛ يجب أن نجدد إيماننا بقوة المؤسسات الديمقراطية، وأن نرفض أيضاً النماذج الفردية السائدة. دعونا نأمل فقط أن تعزز الطريقة التي نتفاعل بها مع جائحة كورونا وتداعياته هذه الرسائل».

 يقدم تاريخ أمريكا اللاتينية تذكيراً مؤلماً بمخاطر تركيز الدخل في يد فئة معينة والحاجة الملحة للحد منه.

 ويضيف: «سيكون العديد من القراء متشككين، ويعتقدون أن تجربة أمريكا اللاتينية يمكن أن تعلّم القليل لبلدان مثل الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة، أو الهند. وقد تتساءل كيف يمكن لأي شخص مقارنة منطقة فقيرة متخصصة بالتعدين والنفط مع الدول الغنية ذات الاقتصادات المتنوعة والمؤسسات القوية؟ يعتقد الكثيرون أن الدول المستقرة ذات الأحزاب السياسية الدائمة والديمقراطيات الراسخة لا يمكنها تعلّم أي شيء من هذه الحالات. وفي الواقع، لا يزال فهمنا للتنمية الاقتصادية يعتمد بشدة على تفسيرنا للتجربة التاريخية للدول الغنية، على الرغم من الاختلافات الثقافية والتاريخية والمؤسسية الواضحة. وإذا تمكنت البلدان النامية من التعلم من البلدان المتقدمة، ينبغي لنا أيضاً أن نكون قادرين على استخلاص الدروس في الاتجاه المعاكس. ويمكن أن تكون تجربة أمريكا اللاتينية وثيقة الصلة بالموضوع. فبلدانها أقدم وأكثر ثراءً من العديد من البلدان الأخرى في العالم النامي، وتستفيد من تقاليد ديمقراطية أطول ومؤسسات أفضل. ثلاثة منها (تشيلي وكولومبيا والمكسيك) أصبحت أعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إضافة إلى ذلك، تميزت مجتمعات أمريكا اللاتينية تاريخياً بالتنوع العرقي، والازدواجية الاقتصادية التي أصبحت الآن هي القاعدة في العديد من أجزاء العالم الأخرى».

 روابط بين السياسة واللامساواة

 في الفصل الرابع من الكتاب يناقش الكاتب الروابط بين عدم المساواة والسياسة. ويظهر كيف أن سياسة الفائز يأخذ كل شيء التي تميز الولايات المتحدة اليوم ظهرت في وقت مبكر جداً في أمريكا اللاتينية، حيث كان للأثرياء دائماً تأثير كبير في الحكومات الديمقراطية. وفي بعض الأحيان، ذهبت النخبة في أمريكا اللاتينية إلى حد دعم الانقلابات العسكرية والحكومات الاستبدادية. وربما يكون الارتباط أكثر إثارة للاهتمام بين اللامساواة والشعبوية، وهو مصطلح إشكالي إلى حد ما للإشارة إلى السياسيين المناهضين للنظام الذين يبنون روابط مباشرة مع الناخبين. لقد كان الزعماء الشعبويون تاريخياً نتيجة مباشرة لسخط الناس من النظام السياسي وتركيز الدخل والثروة في يد فئة صغيرة، ما دفع بعض الشعبويين في أمريكا اللاتينية إلى تحسين حياة شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى والفقيرة، وهو أمر فشل الرئيس ترامب في القيام به.

 أثر عدم المساواة على السياسة بشكل سلبي في أمريكا اللاتينية بطرق عدة. وقد ساهم في الاستقطاب وقلص مساحة التسوية السياسية. ولم تُظهر النخبة أبداً استعداداً لتعزيز قدرة الدولة، أو تعزيز تدابير فعالة لمكافحة الفساد، بينما نادراً ما كانت الحركات الاجتماعية قوية بما يكفي لدفع أجندات الإصلاح. ويشكل عدم الاستقرار في البرازيل في السنوات الأخيرة مثالاً رائعاً على الروابط السلبية بين المؤسسات الضعيفة والفساد والصراع السياسي الناجم عن عدم المساواة. ففي عهد الرئيسين لولا، وروسيف، نفذت الحكومة سياسات إعادة التوزيع لمصلحة الفقراء، لكنها فشلت في تعزيز الشفافية والحد من الفساد. واستفادت القوى المحافظة - التي كانت تحمي دائماً الأغنياء في البرازيل - من هذا الفشل في عكس معظم السياسات التقدمية التي توقف الحد من عدم المساواة. وتم ربط عدم المساواة أيضاً بمختلف المشكلات الاجتماعية من العنف إلى انعدام الثقة الاجتماعية. 

 أمريكا اللاتينية ليست المنطقة الأكثر عنفاً في العالم فحسب، بل هي أيضاً منطقة لا يثق فيها الناس ببعضهم بعضاً، والتي تنجم جزئياً على الأقل، عن فجوات كبيرة في الدخل. كما يرتبط ارتفاع عدم المساواة في الدخل بالتفاوتات في العديد من الأبعاد الأخرى، بما في ذلك الجنس والعرق. كما ساهم عدم المساواة في الفصل الحضري والتمييز العرقي. وفي المقابل، أعاقت هذه المشكلات الاجتماعية نمو التحالفات بين الفقراء والطبقة الوسطى، والتي هي مطلوبة لتنفيذ سياسات عامة أكثر لإعادة التوزيع.

 باختصار، تُظهر تجربة أمريكا اللاتينية التأثير السلبي لفجوات الدخل في الاقتصاد (من خلال التسبب بنقص الاستثمار، لا سيما في القطاعات الديناميكية ورأس المال البشري، وإلى أزمات اقتصادية دورية)، وفي السياسة (من خلال المساهمة في الديمقراطيات الضعيفة وتعزيز السياسات الشخصية)، وفي النسيج الاجتماعي (من خلال المساهمة في العنف وانعدام الثقة الاجتماعية وانعدام التماسك). ويوضح تاريخ المنطقة أيضاً الاحتمال الكبير لاستمرار عدم المساواة بمرور الوقت، ما يقلل بشكل أكبر من فرص إنشاء مجتمعات ديناميكية ومتكاملة.

 دروس وتحذيرات

 يشكل هذا الكتاب تحذيراً، فهو يعتمد على تجربة أمريكا اللاتينية لتسليط الضوء على التكاليف السياسية والاقتصادية لعدم المساواة. ومع ذلك، يقدم تاريخ أمريكا اللاتينية أيضاً دروساً إيجابية. أصبحت المنطقة مرتعاً للأفكار التقدمية التي توفر وجهات نظر فريدة حول عدم المساواة والإقصاء. وقد صاغ الاقتصاديون وعلماء الاجتماع وعلماء الدين والمربون، نظريات جديدة ودفعوا باتجاه سياسات طموحة وإصلاحات سياسية.

 وتوفر تقنيات التعبئة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي المسار الأخير لأمريكا اللاتينية أيضاً مجالًا للتفاؤل: يمكن تقليل عدم المساواة حتى في هذه الفترة من العولمة (الليبرالية الجديدة)، وفي البيئات المؤسسية الصعبة. وبين عامي 2003 و2013، حسّنت معظم بلدان أمريكا اللاتينية توزيعها للدخل، وبالتحديد في وقت كانت فيه فجوات الدخل آخذة في الازدياد في بقية العالم.

 أما الدروس الأخرى، فهي ذات صلة بالبلدان المتقدمة والنامية، على حد سواء. فالجهود السياسية التي بذلتها بعض الحكومات لتوحيد المنافع الاجتماعية التي يتلقاها الأشخاص المختلفون مثيرة للاهتمام بشكل خاص. في أوروغواي، على سبيل المثال، تم تجديد نظام الرعاية الصحية بحيث يمكن لكل من يساهم في صناديق التأمين الاجتماعي وأولئك الذين كانوا جزءاً من النظام العام، الحصول على سلة المزايا نفسها. وكان وصول حكومة يسارية مع التزام تاريخي بالمساواة وعلاقات وثيقة بالحركات الاجتماعية - على الأقل جزئياً - وراء هذا الإصلاح. ونفذت أوروغواي أيضاً نظاماً وطنياً جديداً للرعاية، يدعم في الوقت نفسه كبار السن، والأطفال في سن ما قبل المدرسة. وفي البرازيل، ساهمت حملة لإضفاء الطابع الرسمي على العديد من الوظائف التي لا تتطلب مهارات إلى جانب الزيادات المطردة في الحد الأدنى للأجور، في تحسن سريع في توزيع الدخل. وبين عامي 2002 و2008، زادت نسبة العمال الرسميين بمقدار 6 %. وكان النمو الاقتصادي وراء هذا الاتجاه الإيجابي جزئياً، لكن السياسات التقدمية (بما في ذلك تبسيط الضرائب للشركات الصغيرة وتوسيع عمليات تفتيش العمل) كانت مهمة أيضاً. وهكذا، فإن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في أمريكا اللاتينية يُظهر أنه، حتى في البيئات المؤسسية الضعيفة، فإن السياسة العامة مهمة في مكافحة عدم المساواة. وهناك أيضاً خيارات سياسة أكثر مما هو معروف عادة. وبالطبع، لا ينبغي أن نبالغ في تقدير نجاح أمريكا اللاتينية الأخير. فلا يزال عدم المساواة مرتفعاً في جميع أنحاء المنطقة، وكان الحد منه معتدلاً.

 

 تعريف المجتمع

 يستكشف الكتاب الخيارات السياسية والمتطلبات السياسية لتحقيق ذلك، إذ يؤكد أن مكافحة عدم المساواة تتطلب جهوداً متضافرة في العديد من المجالات. وعلى مستوى أعمق، يتطلب الأمر إعادة صياغة تعريف المجتمع الجيد، والابتعاد عن تركيزنا الحالي على الفردية واحتضان التضامن والمجتمع في جميع أنحاء العالم. ويبقى السؤال المطروح الآن: هل ستؤدي جائحة «كورونا» إلى زيادة في احتمالية إعادة التأطير، أم ستخلق المزيد من العقبات؟

التقييمات
0

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

الصورة
1
الصورة
كتاب
كوري ديكر وإليزابيث مكماهون

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

الصورة
1
جوليا ماسكيفكر
الصورة
1
ليام كامبلينج وأليخاندرو كولاس
الصورة
1
نعوم تشومسكي ومارف ووترستون
الصورة
1
كارينا كالمباش
الصورة
1
أوريلين موندون وآرون وينتر
الصورة
3
مايكل ليند
الصورة
1
ماريا سوبوليوسكا وروبرت فورد
الصورة
1
أندرياس مالم
https://tinyurl.com/y4jlswyr