حرب بلا أفق

00:37 صباحا
قراءة 3 دقائق

صادق ناشر

لم تكن هذه المرة الأولى التي تخفق فيها الأمم المتحدة في تأكيد مصداقية ما تنشره فيما يتعلق بالقبض على قياديين في تنظيم «القاعدة» في اليمن؛ إذ غالباً ما تأتي وقائع تضرب مصداقية المنظمة الدولية، كما حدث خلال اليومين الماضيين بعدما ظهر زعيم تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية خالد باطرفي في تسجيل تم بثه عبر إحدى القنوات التابعة للتنظيم، لينفي ذلك ما أعلنت عنه الأمم المتحدة من أنه تم إلقاء القبض عليه في شهر أكتوبر الماضي.

أراد باطرفي، البرهنة على أنه لا يزال حياً، بتعرضه للأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في السادس من شهر يناير الماضي، وتمثلت في اقتحام أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب لمبنى الكونجرس، من خلال إشارته إلى أن «حادثة الكونغرس ما هي إلا غيض من فيض ما سيأتي عليهم».

ظهور باطرفي في التسجيل مؤشر على أن المعلومات التي تستند إليها الأمم المتحدة في الغالب لا تمت للحقيقة بصلة، أو أنها ربما تكون مقصودة بهدف التضليل، فمن المعروف أن البيئة التي يعمل فيها تنظيم «القاعدة»، تخضع للولاء للقبيلة وليس للدولة ومؤسساتها، والمعروف أن القبيلة في اليمن ظلت على الدوام حامية لأبنائها المنتمين إلى التنظيم، وفي كثير من الحالات، فإن إلقاء القبض على عناصر التنظيم، تتم عن طريق الخيانات الداخلية أو بوسائل الخداع التي تتبع عبر شراء الذمم بالمال أو المناصب في الدولة، خاصة في ظل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد.

من المتوقع أن يكون من تم اعتقاله شخصاً قريباً من باطرفي أو أن المصدر القبلي الذي أوصل المعلومات إلى ممثل الأمم المتحدة، كان يتعمد التضليل بهدف إظهار التنظيم أنه قادر على اختراق الجهات الاستخبارية، وفي غالبها تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، التي تتولى عملياً ملاحقة عناصر التنظيم في اليمن ومنطقة الجزيرة العربية.

الولايات المتحدة ليس لها حضور مؤثر في المناطق القبلية اليمنية، وتواصلها هناك يتم عبر شخصيات قبلية تصدق معها في بعض الأحيان وتمكر في أحيان أخرى، والهدف ليس فقط الحصول على المال أو تقديم خدمة لها، بقدر ما تكون تصفية حسابات داخل القبائل نفسها؛ بحيث يتم الوشاية بهذا القيادي أو ذاك ليس بسبب قناعة بذلك؛ بل لأن الأمر له صلة بصراع النفوذ والمصالح القبلية لا أكثر.

في المسألة اليمنية فإن تنظيم «القاعدة»، حتى وإن بدأ ينحسر في بعض المناطق، بحكم تواصل الضربات على نشاطاته، إلا أنه لا يزال قادراً على التكيف مع الأوضاع القائمة، وعلى الرغم من توسع «داعش» في أكثر من منطقة، إلا أن البيئة اليمنية لا تزال حاضنة ل«القاعدة» أكثر منها ل«داعش» لقناعة الناس هناك أن لا فرق بين الاثنين، لكن ما يفرق في المعادلة أن عناصر تنظيم «القاعدة» ارتبطوا بالبيئة القبلية منذ سنوات طوال، وولاؤهم لمؤسس التنظيم، أسامة بن لادن، ليس فقط أيديولوجياً فحسب؛ بل وهوية، خاصة وإن أصول ابن لادن تعود إلى اليمن.

لذلك كله تبقى الحرب ضد «القاعدة» في اليمن بعيدة عن الحسم؛ بل وبلا أفق، ليس فقط لأن البيئة هناك توفر الحماية للتنظيم؛ بل لأن الوسائل التي تتبعها الولايات المتحدة في المعركة لا تشي أنها تريد حسماً، بقدر ما تريد إبقاء جذوة الصراع قائمة لزمن طويل.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5lyu8gj