ألغام على جسور «الأطلسي»

01:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

الأوروبيون لديهم أزمة ثقة بالحليف الأمريكي زرعها ترامب في نفوسهم ولن يكون رحيله كافياً لاجتثاثها
جاءت الخطوط العريضة لملامح السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جو بايدن، التي أعلنها بنفسه، متوافقة تماماً مع التوقعات والإشارات والمواقف الصادرة عنه طوال حملته الانتخابية، ومتوافقة كذلك مع المواقف والتوجهات التقليدية للديمقراطيين. نقض العديد من سياسات وقرارات الرئيس السابق ترامب كان متوقعاً على الصعيدين الخارجي والمحلي. وبقدر ما كانت الخلافات بين الإدارتين معروفة، فإن نقاط التقارب القليلة بينهما في السياسة الخارجية معروفة أيضاً، وأهمها التصدي للصين وروسيا، وإن كانت أساليب المواجهة ستختلف بالتأكيد.
 سندع الحديث عن الشرق الأوسط في برنامج بايدن جانباً، لأن ما ستكشفه الأيام من تطبيقات عملية أهم بكثير من أي خطوط عريضة أو تصريحات تصدر عن الرئيس أو مساعديه. فضلاً عن أن منطقتنا بأزماتها المزمنة لن تمثل أولوية له في هذه المرحلة.
وربما يكون العمل على ذوبان الجليد المتراكم على الجسور بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أكثر أهمية للرئيس الأمريكي في الوقت الراهن، على ضوء التحالف الاستراتيجي التاريخي بين الجانبين.
 سيسعى بايدن إلى إصلاح وترميم ما أفسده ترامب الذي ألحق خسائر مؤكدة بالعلاقات الوطيدة بين الحليفين على جانبي المحيط. ووفقاً لوصف دبلوماسي أوروبي فقد وصلت العلاقات في عهده إلى أسوأ مستوياتها في التاريخ الحديث، بما في ذلك مرحلة الخلاف الشهير إبان حرب العراق 2003 عندما تمردت أوروبا على الأخ الأمريكي الكبير ورفضت تأييد الغزو. لذلك لن تكون مهمة بايدن الإصلاحية هينة أو مضمونة النجاح رغم الترحيب الأوروبي الصادق بانتخابه.
 الخلافات بين الحليفين تتجاوز في الحقيقة طبيعة وتوجهات الإدارة الحاكمة في واشنطن. وإذا كان ما يجمع بينهما كثيراً فإن ما يفرقهما كثير أيضاً. حل بايدن سريعاً الخلاف الأسهل المتعلق بالسياسات البيئية بالعودة إلى اتفاقيات باريس، غير أن قائمة الخلافات الجوهرية تشمل ملفات أخرى معقدة أهمها العلاقات مع الصين وإيران وروسيا والتصدي لكورونا، والخلاف المزمن حول التبادلات التجارية.
 إحدى نتائج حكم ترامب، وربما مزاياه، أنه فتح عيون بلاده على أهمية تحقيق توازن أكثر عدلاً في التجارة بين الجانبين، وتنبيهها أيضاً لضرورة زيادة مساهمة أوروبا في فاتورة الدفاع عن نفسها والتي تتحمل واشنطن العبء الأكبر منها. لن يستطيع بايدن ولا أي رئيس بعده التنازل عن هذه المطالب.
 وإلى جانب خلافات الحاضر هناك تحديات المستقبل وهي لا تقل صعوبة وأهمية بالنسبة لأمريكا، هي استعادة هيبتها وقيادتها العالمية بعد سنوات من السياسات الانعزالية والانكفاء على الذات تحت حكم ترامب. وستكون العلاقات مع أوروبا حاضرة بالتأكيد عند إعادة تقييم واشنطن دورها في العالم. تحد آخر هو قدرة أمريكا على تحقيق التوازن بين علاقتها التاريخية التي يجب الحافظ عليها ودعمها مع أوروبا من جانب، وسعيها الحثيث لتعزيز تواجدها في آسيا من جانب آخر، ومدى نجاحها في ألا يأتي توسعها شرقاً على حساب وجودها غرباً.
 الأوروبيون من جانبهم لديهم أزمة ثقة في الحليف الأمريكي زرعها ترامب في نفوسهم ولن يكون رحيله كافياً لاجتثاث جذورها. لن يضمنوا في ظل تعاظم التمدد اليميني الشعبوي في الولايات المتحدة ألا يأتي رئيس آخر ينفذ ما هدد به ترامب يوماً من رفع المظلة الدفاعية الأمريكية عن القارة العجوز، أو الانسحاب من «الناتو». يفسر هذا لماذا يتعالى الآن في الأجواء الأوروبية شعار يبدو غريباً على الأسماع هو «الحكم الذاتي» الاستراتيجي، بمعنى الاستقلال عن الحليف الأمريكي أو عدم الاعتماد عليه، وانتهاج سياسات اعتماد على النفس، ليس في الدفاع فقط، ولكن في مجمل السياسة الخارجية خاصة العلاقات مع الصين وروسيا.
 لا يبالغ دبلوماسيون كثيرون عندما يقولون إن العلاقات بين أمريكا وأوروبا لن تعود لسابق عهدها قبل حكم ترامب. الأحضان الدافئة بين القادة والترحيب الحار بمجيء بايدن لن تنفي أو تلغي الخلافات الجوهرية. ستعود جسور التواصل لكن ألغاماً كثيرة ستبقى في الطريق.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2w3xr9b