تفادي الحرب

00:35 صباحا
قراءة دقيقتين

في خطوة مفاجئة اتسمت بالشجاعة والجرأة وبعد النظر، تفادت الهند الدخول في حرب شاملة أو حدودية متسلسلة آنية أو مستقبلية مع جارتها القوية الصين، وقررت الانسحاب من جزء من المنطقة الحدودية المتنازع عليها في منطقة جبال الهملايا.
والمعروف أن النزاعات الحدودية طريق معبد للحروب والصراعات المفتوحة والمواجهات العسكرية وهي بحر لا ينضب، لتأجيج المشاعر القومية ودفعها باتجاه العنف. لكن الحروب كلفتها باهظة وتبقى فلسفة تفادي الصدام مع عدم التراجع عن الحقوق السيادية، هي السياسة الأكثر حكمة.
ويدور النزاع بين الهند والصين حول تعريف المنطقة الحدودية المشتركة وحدود السيادة عليها. فالهند تقول إن طول حدودها مع الصين يبلغ 3500 كيلومتر، فيما تقول الصين إن طول الحدود 2000 كيلومتر، أي أن هناك نزاعاً مستمراً على 1500 كيلومتر من الحدود. وتقع ضمن المناطق المتنازع عليها ولاية اروناشال براديش الهندية وهضبة اكساي تشين، وهو ممر استراتيجي يربط إقليم التبت بغرب الصين.
والصين والهند بلدان عملاقان من ناحية المساحة والكثافة السكانية ومن زاوية القدرات الاقتصادية والعسكرية. وتتوفران على قيم وأعراف ثقافية وحضارية ممتدة لآلاف السنين وعلى تراث من الحكمة يتجه بكلياته باتجاه المفاضلة الإيجابية بين خيارات السلام والحرب وتحييد الصراعات وتقليل الخسائر.
وعلى الرغم من أن النزاع الحدودي تسبب في حرب خاطفة في عام 1962 تركت ندوبها في مستقبل علاقات التعاون المشترك، إلا أن المواجهات العسكرية اللاحقة دائماً ما كان يتم احتواؤها باتفاقات تسوية تمنع التصعيد من بلوغ مرحلة الحرب.
وفي مفاوضات الجنرالات التي أعقبت المواجهات الحدودية الأخيرة في مايو/ أيار الماضي والتي تقاتل فيها جنود البلدين مستخدمين الأسلحة البيضاء، اتفق الجانبان على فض الاشتباك، وانسحاب متبادل للقوات إلى مواقعهما الأولى ووقف الأنشطة العسكرية، بما في ذلك الدوريات.
والاتفاق هو الثاني من نوعه بعد اتفاق التهدئة في عام 2017 عندما شهدت هضبة استراتيجية، في جبال الهيمالايا مواجهات لأكثر من شهرين، تفجرت على خلفية قيام الهند بإنشاء طرق جديدة قرب «خط السيطرة الفعلية» الذي يفصل حدود البلدين في لاداخ. بينما اندلعت المواجهات الأخيرة بسبب تحركات عسكرية صينية في المنطقة.
وفي غمرة الأحداث الدامية توقع محللون انزلاق البلدين العملاقين إلى صراع عسكري مفتوح، وانخرطت مراكز أبحاث وخبراء في محاولة تحديد حجم المكاسب والخسائر المتوقعة من الحرب الوشيكة وتداعياتها المحتملة على منطقة آسيا والعالم. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فقد تغلب منطق المصلحة المؤكدة على طبول الحرب ونزعات الانتقام واهتياجات المشاعر القومية.
وبينما لا تزال جذور النزاع كامنة خلف اتفاقات التسوية والنهج الواقعي لقيادات البلدين، إلا أن خيار الحرب في ظل تحديات الواقع الدولي الراهن وبوجود قوة الردع المتبادل المتمثل في امتلاك البلدين القدرات النووية والتقليدية، يجعل هذا الخيار مستبعداً، لصالح خيارات التعاون وتجميد العداء.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"