عادي

انتحار شكسبير في مسرحية بريطانية

22:53 مساء
قراءة 3 دقائق
1

القاهرة: «الخليج»

يعتبر الكاتب إدوارد بوند (18 يوليو 1934)، أحد أهم كتّاب المسرح البريطاني المعاصر، وهو ينتمي إلى طبقة بسيطة، كما أنه لم ينل إلا قسطاً متوسطاً من التعليم، وعمل على تثقيف نفسه بنفسه، حتى وصل إلى مكانة مرموقة، وكتب مسرحيات لم تر النور، ثم قدّم إحدى مسرحياته إلى مسرح «الرويال كورت» بلندن الذي كان يعمل فيه كقارئ نصوص، ثم ترجم لتشيكوف مسرحية «الشقيقات الثلاث» وتعلم منها الكثير، ثم قدّم مسرحية «الناجي» عام 1965 لتثير ردود فعل واسعة في الحياة السياسية البريطانية.

أثارت المسرحية ضجة كبيرة لاحتوائها على مشهد يعد من أكثر المشاهد وحشية في تاريخ المسرح، وهو قيام مجموعة من الشباب – بلا سبب مباشر – بقذف طفل رضيع في مهده بالأحجار حتى الموت، وكان رد الفعل العنيف الرافض، مفاجئاً للكاتب الناشئ إدوار بوند وقتها، الذي كتب رده في مسرحيته التالية «صباح مبكر» عام 1968.

نقد لاذع

في هذه المسرحية بدا وكأن بوند ينتقم من المجتمع البريطاني بأسره، ولذلك أظهره في صورة مشينة، فقد أظهر الملكة فيكتوريا، رمز المحافظة المرموق في تاريخ بريطانيا، كمتآمرة على زوجها في نظام سياسي، يعتمد على المؤامرات والمؤامرات المضادة، كما أنه أظهر أكل لحوم البشر، وكأنه حادثة عادية في ذلك المجتمع، ومنعت الرقابة المسرحية منعاً كاملاً، فقامت الدنيا ولم تقعد إلا بعد إلغاء الرقابة على المسرح تماماً في بريطانيا.

وبدأ بوند يقترب أكثر فأكثر من بريخت في مسرحياته التالية مثل: «طريق ضيق للشمال البعيد» و«لير» و«البحر» وتعد هذه المسرحيات مرحلة أولى في تطور بوند الدرامي، وفي المرحلة الثانية جاءت مسرحيته «بنجو» وهو اسم للعبة مقامرة تعتمد على جمع أرقام متتالية، وتحقق للمقامر مكسباً هائلاً في بعض الأحيان، كما أنه اسم سلسلة من المحال البريطانية الشهيرة، يمارس فيها لعب القمار.

استعار بوند اسم تلك اللعبة الشهيرة من العالم الحديث، ليسقطه على رؤيته لحياة شكسبير، أو على الأشهر الأخيرة من حياته، لقد سخر شكسبير – في المسرحية – حياته وفنه للحصول على المال، لتأمين حياته ومستقبل ابنته، من دون أن يلتفت إلى آلام الآخرين، ولا يستهدف بوند إعادة النظر في حياة شكسبير فقط، وإنما فحص دور الفنان بشكل عام في مجتمعه سواء في الماضي أم الحاضر.

الفنان في نظر بوند له دور كبير في صياغة مجتمعه، فإذا تقاعس عن أداء هذا الدور، وإذا لم يقاوم الظلم الاجتماعي، فإن حياته كلها تتحول إلى لعبة قمار، يتربح فيها فنه على آليات مجتمعه الظالم، ومشكلة شكسبير في مسرحية «بنجو» أنه اكتشف سلبية دوره في تغيير مجتمعه، ولهذا آثر الانسحاب المادي والمعنوي، متأملاً هذا الدور وذاك المجتمع، حتى يرتكب جريمة الانتحار في نهاية مأساوية لحياته.

يظل شكسبير صامتاً طوال الوقت، عاجزاً عن الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه، بل إنه يعجز حتى عن صياغة هذه الأسئلة، لقد توصل إلى نتيجة تقول إنه فشل في صياغة الأجيال الجديدة، طريق طويل من إعادة تقييم الذات، يفتح الطريق أمام استكشاف شكسبير لسلبياته، وعدم التزامه اجتماعياً، بل وانحيازه لطبقة كبار الملاك، يصل شكسبير إلى اكتشاف عبثية الحياة، وانعدام معناها، وهو اكتشاف يوصله إلى الانتحار.

معالجة متطرفة للتاريخ

يغير بوند في الوقائع التاريخية لضرورات درامية، من دون أن يتجنى على دور شكسبير التاريخي في مساندة كبار الملاك في إعادة ترسيم حدود الحقول المشاع، وهو مشروع لم يتم إلا في عام 1775 بسبب مقاومة صغار الملاك، ومعظم النقاد يفضل تحاشي الحديث عن دور شكسبير في هذه المشكلة حتى تظل صورته المثالية بلا شائبة، وقد يبدو إقدام شكسبير على الانتحار مخالفاً للحقائق التاريخية، إلا أن بوند يعلن في مقدمته للمسرحية أنه حين يجعل شكسبير، يقدم على الانتحار في نهاية المسرحية، إنما يمدحه ويثني على موقفه باعتباره «الموقف الأخلاقي» الوحيد الذي يمكن أن يلجأ إليه كاتب، اكتشف عجزه عن تقويم مجتمعه.

ظل دور الفنان في المجتمع يشغل بوند منذ أن كتب عن حياة الشاعر الياباني «باشو» في مسرحيته «طريق ضيق للشمال البعيد»، ثم أعاد النظر إلى نفس الدور في مسرحية «الصرة» ومسرحية «لير» و«البحر»، ثم عاد إلى صاحب «الملك لير» نفسه ليكتب عنه في مسرحية «بنجو»، ولم يتوقف بوند عن النظر إلى دور الفنان في صياغة فنه، أو دور المجتمع في تضييق النطاق على الفنان المتمرد.

التقييمات
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y9n2ojv8