عهد جديد في ليبيا

00:28 صباحا
قراءة دقيقتين

صادق ناشر

قطع الليبيون شوطاً كبيراً في مسار إعادة الاستقرار إلى بلادهم التي مزقتها الحرب طوال ما يقرب من 10 سنوات، ففي مثل هذه الأيام من شهر فبراير/شباط من عام 2011، اندلعت الاحتجاجات التي طاولت نظام العقيد معمر القذافي، والتي انتهت إلى التخلص منه بطريقة لم يعهدها الليبيون في تاريخهم الحديث، وما زاد الأوضاع سوءاً دخول البلاد في جولات دم، كانت الأعنف منذ عقود؛ حيث سقط خلالها الآلاف من الضحايا، وخسرت ليبيا على إثرها الكثير من ثرواتها النفطية وغيرها.

اليوم وبعد الاتفاق على تشكيل المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، وحكومة جديدة على رأسها محمد الدبيبة، يمكن القول: إن عجلة الحل السياسي بدأت بالتحرك، بموافقة إقليمية وعربية ودولية؛ أسهمت في إنضاجه قبل الغرق أكثر وأكثر في وحل الاحتراب الداخلي، خاصة وأن أطرافاً دخلت على خط الأزمة، وتمكنت من خلط الأوراق؛ ما فتح جروحاً غائرة في الجسد الليبي المثخن أساساً بوبال الحرب المستعرة.

 لماذا نجح الحل السياسي في ليبيا وسكتت مدافع الحرب؟

 لم يكن الليبيون بحاجة إلى هذه السنوات للوصول إلى هذا الحل، إذا ما كانت الرغبة الداخلية موجودة في حل الأزمة القائمة؛ لكن الأطراف كافة تجاذبتها الأجندات الخارجية التي تقاطعت مصالحها بشكل كبير، سواء في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي أم في السلطة التي نتجت عن احتجاجات 2011.

 بعد 10 سنوات، تيقن الليبيون، وبخاصة الفاعلون السياسيون، أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد المتاح، وأن الحسم العسكري بعيد عن اليد، خاصة وأن الانقسامات طالت المجتمع الليبي بأطيافه كافة؛ المجتمعية منها والقبلية، ولم يكن هناك بداً من الرضوخ لصوت العقل، تزامن ذلك مع رغبة دولية في إيقاف الحرب المجنونة. 

 اليوم وبعد أن أخذ الحل السياسي مكانه في المعادلة، يمكن لليبيين أن يتنفسوا الصعداء، ويبدأوا في إعادة ترتيب أولويات حياتهم، حتى يتمكنوا من إعادة بناء بلدهم من جديد؛ لكن ذلك يتطلب تضحيات كثيرة وكبيرة؛ لأن الحرب تركت الكثير من الأزمات، وتحتاج إلى شجاعة؛ لحلها، وأولها العلاقة بين السلطة الليبية والدول المجاورة؛ من أبرزها مصر التي كانت أول المبادرين لمباركة الحل؛ بل وقررت استئناف العلاقات الدبلوماسية كاملة بين البلدين، وفتح خطوط الطيران، كما أنها استضافت لقاءات عدة بين الأطراف الليبية، والتي بدورها مهدت للوصول إلى الحل النهائي.

 يمكن للحل السياسي في ليبيا أن يسهم في وضع حد لحروب مشابهة في مناطق مختلفة من العالم العربي، بخاصة في سوريا واليمن، مع أن لكل بلد خصوصياته في الحرب والسلم، فالنموذج الليبي يمكنه أن يتم الأخذ به، وإن بوسائل مختلفة في هذين البلدين تحديداً، مع فارق أن اللاعبين يختلفون في طريقة التعاطي مع القضايا الداخلية والخارجية.

مع ذلك فإن المهم ليس الحل؛ بل استدامته، والحرص على تجنب نشوب خلافات جديدة، تؤسس لحروب قادمة، فمن دون ذلك يبقى الحل قابلاً للانتكاس ما لم يتم تسييجه برغبة في مغادرة الماضي، ونسيان الأحقاد والضغائن التي كانت سبباً في إطالة الأزمة لعشر سنوات كاملة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yb45ybso