الأنانية واللقاح

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

ما زال السباق محتدماً بين الدول الغنية للحصول على أكبر قدر ممكن من جرعات اللقاحات المعتمدة لمواجهة «كورونا»، وبينما تسارع الشركات لتقديم ملايين الجرعات لمن يشتريها أولاً، فإن الفجوة تتسع بين الدول المقتدرة على توفير هذه اللقاحات لتحصن مجتمعاتها والدول الفقيرة، في انعدام صارخ للعدالة؛ حيث يستأثر الأغنياء بالحصة الكبرى، سواء التي تم إنتاجها أو تلك التي ينتظر الموافقة عليها في الأيام المقبلة.

منظمة الصحة العالمية كانت لها كلمة إزاء هذا الاختلال الكبير، فقد حذرت أكثر من مرة وعبر منصات عدة من أن الهوة تتسع بين الأغنياء والفقراء بشأن الحصول على اللقاحات، مشيرة إلى أنها لا تزال بحاجة إلى 26 مليار دولار لآليتها الرامية إلى تسريع نشر أدوات مكافحة «كورونا» في الدول النامية والفقيرة؛ بل إن مدير المنظمة استشهد بدراسة جديدة لغرفة التجارة الدولية، بأن «القومية في مجال اللقاحات قد تكلف الاقتصاد العالمي ثمناً غالياً يصل إلى 9200 مليار دولار». مشدداً على أن «القومية في مجال اللقاحات قد تخدم أهدافاً سياسية على المدى القريب، لكن المصلحة الاقتصادية لكل أمة على المدى المتوسط والبعيد تملي دعم المساواة في الوصول إلى اللقاحات»؛ حيث أشار إلى أن العالم على شفا انهيار أخلاقي كارثي.

 كما أن الأمر لا يتوقف عند التدهور الاقتصادي؛ بل يؤثر أيضاً في الحالة الصحية، فخبراء عدة أجمعوا على أن حصر الوباء هو فعل جماعي؛ إذ إن الجائحة لا يمكن القضاء عليها في حال بقيت لها جيوب في العالم، خاصة في عصر العولمة، وشددوا على أن تطوير لقاحات جديدة، سيفشل في إنهاء الجائحة ما لم تحصل جميع البلدان على جرعات بطريقة سريعة وعادلة.

 مجلة «لانسيت» الطبية، أشارت إلى الأمر ذاته عندما قالت إن تخزين اللقاحات في البلدان الأكثر ثراء لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد حال الطوارئ الصحية العالمية. وحذرت من أن «قومية اللقاح» قد تؤدي إلى فشل مبادرة «كوفاكس» التي تهدف إلى إيصال اللقاحات إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تواجه نقصاً هائلاً في الجرعات؛ حيث إن الدول الغنية التي تمثل 16 في المئة من سكان العالم حصلت على 70 في المئة من جرعات اللقاحات وهو ما يكفي لتلقيح كل مواطن من مواطنيها مرات عدة.

 هذه الأصوات التي قرعت جدران الخزان، أحدثت صدى لدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال إنه «من غير المبرر والمقبول» بطء إطلاق حملة التلقيح ضد «كورونا» في إفريقيا، ضحية انعدام المساواة بين الدول الفقيرة والغنية للحصول على اللقاحات. لكن تصريحه لم يوقف اختلال التوازن؛ إذ أعلن الاتحاد الأوروبي اتفاقاً لشراء 300 مليون جرعة إضافية من اللقاحات، لتسارع الأمم المتحدة للمطالبة مجدداً بوضع «خطة تلقيح عالمية» لضمان عدم تخلف أحد عن الركب في مكافحة الوباء.

 وهكذا يبقى العالم المتقدم أمام اختبار أخلاقي، فإما أن يتكاتف لإنقاذ البشرية جمعاء، وإما أن تحكمه الأنانية لتبقى أزمة الجائحة تراوح مكانها دون أي حل فعّال.

[email protected]

التقييمات
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y7zm26wt