الطيران ضحية «كورونا»

00:30 صباحا
قراءة 4 دقائق
شاحنات السلالم تابعة لشركة جيتس
شاحنات السلالم تابعة لشركة جيتس

لا شك في أن قطاع الطيران هو من أكبر ضحايا فيروس كورونا، حيث كان يشغل قبل الوباء نسبة 3,4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وسقط إلى مستويات لم يشهدها سابقاً. وانحدرت إيرادات القطاع 61% في سنة 2020 تبعاً لمنظمة الطيران «اياتا». وانخفضت إيرادات سفر الأشخاص من 612 مليار دولار خلال 2019 إلى 191 مليار دولار في 2020. ومن أرباح قدرها 43 مليار دولار في 2019 إلى مجموع خسائر قدره 103 مليارات دولار في سنة 2020، بالرغم من تدني التكلفة بنسبة 46% في 2020 نتيجة انخفاض استهلاك الطاقة والعوامل الأخرى من بشرية ومادية. وعائد رأس المال انخفض من إيجابي 6% في 2019 إلى سلبي 18% السنة الماضية. والمناطق الأكثر تضرراً مالياً كانت شمالي أمريكا، ثم آسيا، فأوروبا. وتوقعات 2021 تبعا لمنظمة الطيران إيجابية مع حملات التطعيم والخروج تدريجياً من الوباء. إلا أننا لن نعود بسهولة إلى مستويات ما قبل الوباء وستبقى الخسائر موجودة في 2021 وإن يكن أقل من 2020.

قطاع الطيران مهم جداً لوصل العالم ببعضه بعضاً، ولتسهيل التجارة العالمية، كما التواصل السكاني. ولا يمكن تطوير السياحة العالمية من دون قطاع طيران فاعل وفي متناول المواطن العادي. وفي العقد الماضي، لم يعد السفر يقتصر على قطاع الأعمال، أو على الميسورين، بل أصبح في متناول الجميع مهما كانت الإمكانات. وتطور معه قطاع السياحة الذي أصبح شعبياً يقدم خدماته إلى كل المواطنين، مهما كان دخلهم. وسمح قطاع الطيران لملايين الموظفين بالعمل لديه مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة. وتطورت المطارات والمدن والقرى بفضله، أي كان مسبباً أساسياً للتطوير الإنمائي. طبعاً لا ننكر الضجيج والتلوث الذي يحدثه، لكن لا شك في أن الفوائد تفوق بأضعاف المزايا السيئة الناتجة عن التطور الكبير. والمعروف عالمياً، أن المواطن يتجنب السكن قرب المطارات بسبب الأضرار على السمع، ونوعية الحياة، بالرغم من أن قطاع البناء يعالج هذه المساوئ من دون أن يلغيها.

وكان قطاع الطيران يشكل رمزاً للدول ولتطورها وكان المواطن يفتخر بأن شركة الطيران تمثله، وتمثل وطنه. وهنالك فخر خاص تجاه حسن الخدمة والتوسع. هذا الواقع يربط قطاع الطيران بالسياسة، وهذا ما يميزه عن قطاعات وطنية أخرى.

 كيف تغيرت أسواق الطيران حديثاً؟ هنالك الرقابة الكبيرة من قبل الدول، كما من قبل المؤسسات الدولية هدفها السلامة وحسن خدمة الزبائن بالنوعية والأسعار. المطلوب من شركات الطيران الاستمرار في التجدد والتنويع لأن دورها مهم جداً في تنشيط الاقتصادات والتجارة، كما في مساعدة قطاع الأعمال على تحقيق أهدافه في النمو. ومن مظاهر التجدد هو أن بطاقة السفر أصبحت إلكترونية، ولم يعد يستعمل الورق. كما أن تثبيت الحجوزات لم يعد مطلوباً، ويمكن الذهاب مباشرة إلى المطارات، ثم الطائرات. وحجم أعمال قطاع الطيران فرض تغييرات كبيرة في أنظمة العمل والخدمات.

قبل «كورونا»، كانت شركات الطيران تشغل نحو 100 ألف رحلة يومية تجارية، تحمل 9 ملايين شخص، و140 ألف طن من البضائع. ومجموع نشاطات قطاع الطيران كان يشكل الاقتصاد ال21 عالمياً في حجمه، ومن المتوقع أن يتضاعف خلال العشرين سنة المقبلة. وهنالك شركتان كبيرتان لإنتاج الطائرات التجارية فوق 120 مقعداً، هما إيرباص، وبوينج، وتتنافسان في كل شيء، بدءاً من السعر إلى التكنولوجيا، والشكل، والتصميم. ومر قطاع الطيران بفترات صعبة أخرى، أي بعد اعتداء 11 أيلول، وخلال الأزمات المالية المتعددة، واستطاع النجاة عبر حسن الإدارة وتغيير الخدمات. ما هي العوامل التي تؤثر في القطاع ونموه؟

  1. المنافسة التي تبقى عاملاً مهماً جداً في كل الظروف، وحدها تعطي المواطن حقه في السعر وجودة الخدمة. ومن دون منافسة قوية، يذل أو يستغل المواطن وتسلب حقوقه. والمنافسة لا تكون في الأسعار فقط، بل في برامج الخدمة وفي المرونة من ناحية بيع البطاقات واستعمالها في الزمان، والمكان، والخطوط.
  2. الأسعار، حيث تقنية تحديد سعر بطاقة السفر معقدة جداً، إذ ترتبط بالكلفة والخط المطلوب، والتوقيت، وموقع المقعد وغيرها. ولا ننكر أن أسعار بطاقات السفر بالنقد الحقيقي تدنت جداً بفضل الكمية، كما المنافسة. وترغيب المواطن في السفر مهم جداً، عبر برامج النقاط والسفر المجاني في ظروف في معظمها تحددها الشركات. وفي كل حال، هنالك رغبة عند المواطن للسفر، والطائرة تشكل عاملاً مهماً في الرحلة. وللسفر فوائد مادية ونفسية واجتماعية كبرى.
  3. تحالف الشركات مهم جداً، وهدفه تحريك الطلب كما معالجة العرض، خاصة في ما يخص التكلفة. وبالرغم من أن هذه التحالفات تجعل الشركات تقوى تجاه المواطن إلا أنها تسمح لها بالاستمرارية لفترات أطول في خدمة الزبائن وتحقيق الأرباح المشتركة. وما يقلق المواطن أكثر من التحالفات هي عمليات الدمج التي تطال العديد من الشركات والذي من المتوقع أن يرتفع عددها مع «كورونا»، وبعدها. والدمج يعني عموماً إضعاف المنافسة، وبالتالي ارتفاع الأسعار.

ولا بد من الكلام عن الطيران الخليجي المتميز جداً، بخدماته والذي يستفيد من أفضل مطارات العالم في أبوظبي ودبي والدوحة والرياض، وغيرها من المدن الخليجية. وخدمات شركات الطيران الخليجية أصبحت مضرب مثل للطيران النوعي والمتفوق ليس في المنطقة فقط، وإنما عالمياً. وهنالك خسائر في 2020 نتيجة كورونا، وضعف حركة الطيران، والسفر. وفي عدد الركاب خسرت شركات طيران المنطقة 73% ما أثر سلباً في النتائج المالية.

ويعود قطاع الطيران تدريجياً للعب الدور الرائد الذي لعبه سابقاً، مع تعافي الاقتصاد العالمي من المشاكل الصحية والاقتصادية. وفرضت «كورونا» علينا جميعاً، الحجر المنزلي، وضربت إحدى أهم متع الإنسان، السفر للسياحة.

عن الكاتب

​خبير اقتصادي (لبنان)

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ybx4kjr3