أطروحة جمالية

00:11 صباحا
قراءة دقيقتين

علاء الدين محمود

لعل أكثر جدل أثير داخل عالم الكتابة الإبداعية، تلك التي تتناول العلاقة بين الكاتب والناقد، وكثيراً ما وصف الأخير بأنه شخص عجز في أن يصبح أديباً، لقصور في مستوى أدواته الإبداعية، فتحول إلى مهمة أخرى تظهره بصورة صاحب الكلمة الأخيرة في تقييم عمل ومنجز الأديب؛ وقد ساد هذا الاعتقاد ردحاً من الزمان، حتى بعد تلك التطورات الكبيرة في النقد كعلم، الذي شهد انقلاباً كبيراً في مفهوم النقد؛ إذ بات أكثر اهتماماً بالتحليل والقراءة في عمق النص؛ وانتقل من خارجه إلى داخله، ففي حين كان النقد يعالج ويتناول الجوانب التاريخية والمناخات النفسية والاجتماعية، صار يغوص في لغة النص وشكله والرموز والعلامات التي بداخله بفعل الثورة الكبيرة في علوم اللسانيات، ثم انحصر أمر النقد في نهاية القرن الماضي، إلى حد المطالبة بطرد الناقد خارج حدود العلاقة الإبداعية، وحصرها في الكاتب والنص والمتلقي، على نحو ما فعل رونان ماكدونالد في مؤلفه «موت الناقد».

ويلاحظ كثيرون أن لبعض النقاد القدرة في جعل النص النقدي متفوقاً في قيمته وجمالياته على الموضوع الأدبي الذي يتناوله ويشرّحه، وذلك لأن الناقد صاحب قدرة حقيقية على النفاذ إلى أعماق النص الإبداعي، وإظهار جمالياته، والوقوف على مواقع الضعف والهنات فيه، وبالتالي يصبح قطعة أدبية مقروءة وبديعة، بل وأحياناً فإن الناقد يقدم قراءة ورؤية مختلفة ومغايرة عن التي قصدها الكاتب، ويصبح ذلك النص التشريحي النقدي قطعة إبداعية مكتملة الأركان، لذلك من المهم معرفة أنه بمثل ما أن هناك كاتباً ضعيفاً وعادياً، فهناك أيضاً ناقد شحيح الأدوات، والعكس صحيح، فمثلما يوجد كاتب مجيد، فهنالك ناقد متفوق.

 ولابد هنا من التطرق إلى ناقد وروائي ومبدع بحجم الإيطالي إمبرتو ايكو، الذي جاءت أعماله الروائية لتتمثل إشراقاته المعرفية ورؤيته في علم النقد والسيمولوجيا، فلئن قضى إيكو ردحاً من الزمان يشتغل على الرموز والدلالات والعلامات، فإن روايته «اسم الوردة»، حققت مجموعة من الفتوحات النقدية، حيث كانت شاهدة على براعة توظيف الشفرات والعلامات، داخل النص الروائي، في عمل يحرض هو الآخر على النقد والتناول الذكي، حيث يقبل التأويل على جميع الاتجاهات، وما تلك العلامات إلا مفاتيح تأبى أن تسلم القارئ إلى الحيرة، لذلك فإن «اسم الوردة»، وقبل أن تكون رواية هي نص نقدي ينضح بالجمال.

إن ما فعله إيكو، هو مغالطة تلك الادعاءات الساذجة التي ترى أن الناقد عندما يكتب نصاً إبداعياً فهو يتحرر من وظيفته ليتحول إلى كاتب، والحقيقة أن إيكو وغيره من علامات نقدية كبيرة، يعملون على كتابة النصوص الأدبية من أجل تضمينها مفاهيم وأطروحات نقدية معينة، كنوع من التجريب، ثم يعودون مرة أخرى إلى حقل النقد فليس هنالك سد ينتصب بين النقد والأدب.

التقييمات
0

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yctpqnyx