تقاسم اللقاحات

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

«سوف نكون في أمان فقط إذا أصبح العالم أجمع في أمان». كانت هذه عبارات أورسولا فون دير لاين، مفوضة الاتحاد الأوروبي. وبالطبع، فإن المعنى المقصود من العبارة، هو أهمية تقاسم اللقاحات الواقية من فيروس كورونا بين شعوب الأرض الغنية والفقيرة على السواء.

لم تكن أورسولا الوحيدة التي أشارت إلى هذه النقطة العقلانية والأخلاقية، في آن واحد، في ما يتصل بمكافحة الوباء والقضاء عليه، فقد شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على أن الوباء لن ينتهي إلا إذا تم تحصين الجميع حول العالم باللقاحات المضادة. وهي عبارات تذهب مباشرة إلى أهمية توفير اللقاحات المضادة لتحصل عليها الدول الفقيرة المكتظة بالسكان، وغير القادرة على تمويل شحنات اللقاح إلى شعوبها.

وفي الواقع، فإن مفهوم تقاسم اللقاحات هو مفهوم أخلاقي في المقام الأول؛ إذ إن مشاعر الأنانية تكون غلابة وعصية على المقاومة في أوقات الحروب والنكبات الكبرى، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة خصوصاً، لكن هذه المشاعر سرعان ما تتراجع مع تراجع حدة الخطر وتحل محلها أولوية المشاركة والخلاص الجماعي.

وفي ظروف الأزمة الصحية التي حلت بالعالم جراء انتشار وباء كورونا، فإن مفهوم التقاسم يكتسب بُعداً واقعياً وعملياتياً أكثر أهمية باعتبار أن الخلاص الفردي من قبضة الوباء غير ممكن من دون تعاون الآخرين، سواء كان ذلك عبر تدابير التباعد الاجتماعي والنظافة الشخصية، أو بعد اكتشاف اللقاحات الواقية. 

فالالتزام الجماعي بتدابير الحماية، والقبول بمبدأ تقاسم المضادات وتوفيرها للشعوب الضعيفة، هو السلاح الأشد فاعلية في قلب المعركة لهزيمة انتشار الوباء والقضاء عليه.

لقد انطلقت دعوات المشاركة منذ وقت مبكر، وحذرت منظمات دولية عديدة من مغبة إهمال الدول الفقيرة. وحثت منظمة الصحة العالمية خصوصاً، الدول الغنية، على دعم الأنظمة الصحية والاقتصادات الهشة في مناطق إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ومساعدتها على الصمود في مواجهة الوباء الذي كان يجتاح العالم بأسره ويحصد آلاف الأرواح.

كانت هذه الأصوات ضعيفة التأثير في ظل الاضطراب الأخلاقي والمفاهيمي الذي أفرزه ظهور الوباء، والرعب الذي أمسك بتلابيب الناس، فقد كان «الخطر رهيباً ومروعاً»، على حد تعبير خبير الأوبئة الأمريكي أنطوني فاوتشي، لكن هذه الأصوات شكلت مع ذلك جرس إنذار للمخاطر المحتملة، إذا ما قرر قادة الدول الذهاب باتجاه الانقسام بدلاً عن الاقتسام، للخلاص ووقف زحف الوباء القاتل.

وبعد أن اكتشف العلماء اللقاح المضاد وبدأت الشركات في إنتاجه وتوزيعه، برزت من جديد النزعة الأنانية في أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً، لكنها كانت أضعف ومتراجعة في مقابل ارتفاع الأصوات المطالبة بتعزيز التعاون والوحدة والمصير المشترك.

وفي قمة الدول السبع الأخيرة، تعهدت دول المجموعة بتكثيف التعاون الدولي وزيادة مساهمتها في مبادرة «كوفاكس»  الهادفة إلى توفير اللقاحات للشعوب الفقيرة  إلى سبعة مليارات ونصف المليار دولار. 

وبالعودة إلى المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فقد وصفت نتائج قمة الدول الأكثر ثراء، بأنها «لحظة حقيقية من التكافل الدولي».

[email protected]

التقييمات
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y7jpve4g