سر الصمود الصيني

00:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

كل الحروب والمواجهات العسكرية والسياسية التي خاضتها أمريكا، وسائر أزماتها الدبلوماسية ونزاعاتها التجارية مع بلدان العالم رافقتها حرب إعلامية شرسة شنتها ضد الخصوم والأعداء وحتى ضد الحلفاء عندما تختلف معهم. ومواجهتها الحالية مع الصين على المستويين السياسي والاقتصادي وببعدها الدولي المتمثل في الصراع على مناطق النفوذ والتمدد في العالم ليست استثناء.

 وتحت شعار «المنافسة الاستراتيجية» لا يتوقف الإعلام الأمريكي ولا المسؤولون في واشنطن عن إطلاق قذائفهم الدعائية الثقيلة لترويع الخصم الصيني العنيد وتشويه سمعته عالمياً. وقبل أيام نشرت مجلة «كريستيان ساينس مونيتور» نتائج استطلاع أجراه مركز «بيو» في 14 دولة، تتوزع ما بين أمريكا الشمالية إلى غرب أوروبا وشرق أسيا وحتى أستراليا، يظهر تراجع الثقة الدولية في الصين إلى أدني مستوياتها خلال 12 عاماً.

 غير أن ما استوقف المجلة ليس التدهور في شعبية الصين عالمياً، ولكن تزامنه مع ارتفاع كبير ومستمر في شعبية قادتها داخلياً، وهو أحد أهم أسباب قوة الصين في مواجهة الضغوط الغربية. قبل البحث عن سر الشعبية المتصاعدة، نشير أولاً إلى أن من يرصد هذه الحقيقة هم خبراء أمريكيون، أي ليست دعايات يروجها الحزب الشيوعي الصيني.

 أحد هؤلاء هو الدكتور إدوارد كونينجهام، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، يؤكد أن مستوى الرضا الشعبي عن القيادة في الصين ظل ينمو طوال العشرين عاماً الماضية. وتشير دراسة أمريكية أجريت بين 2013 و2016 وشملت مقابلات مباشرة مع أكثر من 31 ألف شخص في المناطق الريفية والحضرية في الصين أن 93% من المواطنين يشعرون بالرضا عن أداء الحكومة المركزية، بينهم 32% قالوا إنهم «راضون جداً».

 على المستوى المحلي قال 70% عام 2016، إنهم راضون عن أداء حكوماتهم في الأقاليم التي يقطنونها، بفضل نجاحها في توفير احتياجاتهم من السلع والخدمات. وتمثل هذه النسبة قفزة كبيرة عن مثيلتها المسجلة عام 2003 وكانت 44% فقط.

 تلخص الدكتورة إليزابيث إيكونومي، الأستاذة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، أسباب الرضا الشعبي عن القيادة الصينية رغم سلطويتها وقمعها للحريات، بقولها إن النجاحات الاقتصادية التي حققتها الحكومة، والمكاسب الاجتماعية التي وفرتها للشعب، عوضته كثيراً عن خسائره السياسية. الأكثر من ذلك أن الأغلبية العظمى من الصينيين باتوا يشعرون بالزهو القومي؛ نتيجة تعاظم الدور العالمي لبلادهم، وصمودها أمام «العدو الإمبريالي الأمريكي».

 تفسر الأرقام بوضوح سر هذا الرضا، فقد حقق الاقتصاد الصيني نمواً بنسبة 2,3% العالم الماضي؛ ليصبح الاقتصاد الرئيسي الوحيد في العالم الذي سجل نمواً رغم جائحة «كورونا». وللقيادة الصينية إنجازان كبيران يشكلان مصدر فخرها وسر نجاحها وسبب شعبيتها.

 الأول هو التقدم الذي أحرزته على صعيد محاربة الفقر. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت الحكومة رسمياً أنها استأصلت الفقر المدقع أو الحاد، بعد معركة طويلة بدأت في 1981، وأسفرت عن انتشال 850 مليون صيني من العوز. الإنجاز الآخر تمثل في معركة لا تقل ضراوة، وهي محاربة الفساد. بدأت هذه الحملة، وهي الكُبرى في تاريخ الصين الحديث، بزخم كبير في 2012، وما زالت مستمرة، وسقط خلالها الآلاف من المسؤولين.

 محصلة ذلك كله كانت طفرة في شعبية الحزب الشيوعي، وطفرة موازية في مستويات المعيشة، واتساع حجم الطبقة المتوسطة الذي قفز من 3% عام 2000، إلى أكثر من نصف تعداد السكان أي 700 مليون في 2018.

 رغم تلك النجاحات فإن رحلة الألف ميل لم تنتهِ، وما زال أمام الصين طريق طويل مملوء بالعقبات، إحداها العدد الضخم من محدودي الدخل البالغ 600 مليون من إجمالي السكان وعددهم 1,4 مليار نسمة. ليس أمام العملاق الصيني سوى النجاح؛ لأن الفشل في وجود هذا المحيط البشري الهائل يعني كارثة لن يقوى العالم، وليس الصين فقط، على تحمل عواقبها.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ybgrsxmc