تحقيق: مها عادل
طالما اعتبرت الهدايا وسيلة رومانسية وأنيقة لتحسين العلاقات الإنسانية خاصة الزوجية منها، فهي كثيراً ما تقوم بدور رسول المحبة وسفير المودة بين البشر. ومنح الهدية وسيلة عملية وفعالة للتعبير عن الاهتمام والمشاعر الطيبة، ولكن، إلي أي مدى يمكن أن تصبح الهدية وسيلة سطحية لأداء الواجب بالمناسبات أو رد المجاملات بشكل يخلو من المشاعر؟ وهل يمكن أن يستخدمها البعض كبديل للاعتذار ووسيلة لحفظ ماء الوجه؟ ومتى يمكن أن تتحول الهدية لأداة غالية لشراء الرضا والمودة بالمال أو طريقة للضغط والإقناع أو حتى مثيرة للشكوك والريبة بين الأزواج إذا كانت بدون مناسبة أو غير متوقعة ؟
في السطور التالية سنتعرف أكثر علي معاني وتأثيرات مختلفة للهدية عند مانحها و متلقيها، ورسائل متناقضة قد تحملها بعض الهدايا عن أصحابها.

تحدثنا دلال محمد ربة بيت عن علاقتها بالهدايا وقيمتها من وجهة نظرها وتقول: الهدية بالنسبة لي تحمل معنى واحداً، هو التعبير عن الاهتمام، سواء كانت مرسلة من زوجي أو أبنائي أو صديقاتي، أعتبرها لمسة لطيفة وعمل تطوعي يضفي روح المحبة في العلاقات الإنسانية وخاصة الزوجية، فالمشاعر الصادقة مثل النبتة التي تحتاج لرعاية ودفء حتى تنمو وتزهر.
والهدية وسيلة هامة للاعتناء بالعلاقات العاطفية والأسرية، ففي رأيي عندما يقرر زوجي شراء هدية لإسعادي، فهذا يعني أنه اقتطع من ماله ووقته وجهده لشرائها، ووضعني على رأس أولوياته، ولهذا فالهدية حينها تعني لي الكثير وتسعدني وتجدد مشاعر المحبة مع زوجي والأسرة بالكامل.
تضيف: يسعدني استقبال الهدايا، فشراء الهدايا لأحبائي أيضاً يشعرني بالبهجة والرضا والحماس الشديد، ولأنني أؤمن بتأثير الهدية فأحرص على اختيارها بعناية شديدة لتناسب ذوق صاحبها، ولتحمل رسالة الاهتمام به وبذوقه وألا تكون مجرد مجاملة فقط.
أما غادة محمود، موظفة بدبي، فتتفق مع الرأي السابق ولكن بشروط معينة وتقول: بالتأكيد الهدية شكل هام من أشكال التواصل بين الناس، وقد تحمل الهدايا معاني جميلة تعجز الكلمات عن توصيلها، فهي تعبير عملي عن المحبة والمودة ولكن بشرط هام وهو عدم الاستسهال في اختيارها، أو إفراغها من محتواها والتعامل معها كنوع من المجاملة الروتينية المفروضة علينا فحينها تفقد معناها وتتحول لوسيلة لرد الدين، فالهدية تكتسب قيمتها عندما تكون محملة بمشاعر حقيقية صادقة، ولا تكتسب قيمتها أبداً من ارتفاع سعرها ولكن من المعنى التي تجسده.

ويكشف لنا ضياء الدين أحمد، مخرج فني بدبي، عن دور الهدايا بحياته ويقول: أستخدمها أحياناً لتوصيل اعتذاري وندمي عن بعض تصرفاتي التي أعجز بسبب خجلي الشديد عن توصيل أسفي عنها بشكل مباشر، وحينها ألجأ لإرسال الهدية كوسيلة أنيقة لتحسين العلاقات مع الآخرين سواء مع زوجتي أو أصدقائي وزملائي بالعمل، فحينها تلعب الهدية دور الرسول البليغ حلو المظهر والبيان الذي يؤكد للطرف الآخر مدى اعتزازي به ورغبتي في إرضائه وبناء جسور التفاهم بيننا من جديد.
كما إنني أفضل شراء الهدايا في مواعيد غير روتينية وغير متوقعة، فقيمة الهدية برأيي تزداد مع اقترانها بعنصر المفاجأة وتكون أكثر تعبيراً عن صدق المشاعر أكثر من الهدايا الروتينية المرتبطة بمواعيد معلومة سلفاً.
وتختلف نانسي إبراهيم، موظفة بعجمان، مع الرأي السابق وتحدثنا عن تأثير الهدايا المفاجئة ومعناها وتقول: في رأيي الهدايا التي لا تقترن بمناسبة تكون مثيرة للريبة والشك، خاصة إذا كانت الهدية من الزوج لزوجته، حيث إن بعض الرجال يلجؤون لحيلة شراء الهدايا لزوجاتهم لإخفاء ذنب ما ارتكبوه في حقهن، وأحياناً يعتبرون منح الهدية إجراءً كافياً لتبرير أخطائهم أو إصلاح الضرر النفسي الذي تسببت به تصرفاتهم
وسيلة تواصل
تحدثنا سينثيا كلداني مؤسس موقع إلكتروني لشراء الهدايا الخاصة والمصممة حسب الطلب وتقول:«الهدايا وسيلة جيدة للتواصل بين الناس حتى ولو عن بُعد، وتعتبر طريقة مؤكدة لتجديد المشاعر وتقوية العلاقات مهما بعدت المسافات. وانطلقت فكرة إنشاء الموقع بالشراكة مع صديقتي مونيكا مع بداية انتشار جائحة «كورفيد-19» عندما لمسنا صعوبة في شراء الهدايا وتعذر طقوس المجاملات بين الناس بسبب التباعد الاجتماعي والقيود على الزيارات والتجمعات وأصبحت أجد صعوبة في اختيار هدية مناسبة تحمل معاني ومشاعر جميلة لإرسالها لأصدقائي، ولذلك فقد اخترت تسهيل عملية شراء الهدايا عن بعد عبر الموقع وانطلاقاً من قناعاتنا بأهمية تبادل الهدايا في حياتنا وتأثيرها المهم في تجديد علاقاتنا رغم التباعد، وتتسم نوعية الهدايا التي نقدمها لمتابعينا بأنها هدايا مصممة خصيصاً لهم وحسب الطلب لتناسب أذواقهم وأذواق من يرسلون لهم الهدايا».
وتلتقط شريكتها بالموقع مونيكا ميمنايت طرف الحديث وتقول:«الهدية تمثل عند الكثيرين لسان حالهم وطريقتهم السريعة والبليغة في توصيل محبتهم واهتمامهم لعائلاتهم وأصدقائهم وأصبح شراء الهدايا أون لاين هو الوسيلة الأكثر شيوعاً خاصة في ظل كورونا، فالتسوق الإلكتروني بشكل عام أصبح الأسلوب الأسهل والأسرع والأكفأ لاختيار الهدايا من دون التعرض لمخاطر العدوى بزيارة المولات والمحلات، وما نلاحظه بخبرتنا الحالية بالموقع هو أن أكثر الفئات التي تقبل على شراء الهدايا هن الفتيات اللائي يحرصن على اختيار هدايا خاصة لصديقاتهن للتعبير عن التقارب وغالباً ما تكون المرأة هي الأكثر اهتماماً بالتفاصيل ومراعاة للدقة في الاختيار ولديها فن اختيار الهدية المناسبة للشخص المناسب».
فكرة العطاء
أكدت كثير من الدراسات النفسية الحديثة أهمية فكرة العطاء والمشاركة والتعبير عن الشكر والود والامتنان بين الأفراد على زيادة معدل شعورهم بالسعادة، ففي إحدى الدراسات النفسية بجامعة بريتيش كولومبيا في كندا، قدم الباحثون خلالها لطلبة بالجامعة بعض المال وطلبوا منهم إنفاقها على أنفسهم أو على شخص آخر، وبعدها وجدوا أن مستوى السعادة عند الطلبة الذين أنفقوا المال على آخرين أعلى من مستواه عند الذين أنفقوه على أنفسهم، أكدوا في نتائج دراستهم أن إعطاء الهدايا للآخرين وفكرة العطاء من أهم الأسباب التي تحسن الحالة النفسية، وتعزز الشعور بالثقة بالنفس وتقوي مشاعر الترابط بين الأفراد. 
كما كشفت دراسة نشرتها مجلة جمعية علم النفس الأمريكية، أن اختيار وتقديم هدايا للآخرين يولد شعوراً بالرضا والسعادة، ويمكن تفسير بأن الأشخاص الذين يملكون مستويات أعلى من الذكاء العاطفي يمكنهم توقع تأثير إعطاء الهدية على نفوسهم ونفوس المتلقين، ومدى أهمية الهدايا في تحسين علاقاتهم بالآخرين. ولهذا لا يمانعون شراء الهدايا المتميزة للآخرين.
رسالة رقيقة
تطلعنا د. رشا عبدالرحمن، رئيس قسم علم النفس بجامعة عجمان، على التأثيرات والمعاني المختلفة التي تعكسها الهدايا، وتقول: الهدية تعبير عن مشاعر جميلة، وهي رسالة رقيقة تحمل بين طيّاتها كثيراً من معاني الألفة، وتعمّق الروابط الاجتماعية بين الأهل والأصدقاء. وقد أكد رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) التأثير النفسي والاجتماعي للهدية؛ إذ قال: «تهادوا تحابوا». فإذا أردت أن تشعر المحيطين بك بمدى اهتمامك بهم فقدم لهم هدية بسيطة، فهي أبلغ تعبير عما تحمل لهم من مشاعر الحب والود والتقدير.
وتضيف: الهدايا تعبير رومانسي عن الذوق والأخلاق والمشاعر النبيلة، والهدية ليست بالضرورة أن تكون في كل الأحوال عينية وغالية الثمن، بل يمكن أن تكون كلمة طيبة أو تسامحاً عن موقف خاطئ؛ لأن الهدية من دون الكلمة الطيبة والمشاعر النبيلة لا يكون لها تأثير، علاوة أيضاً على الإشارة إلى نقطة أخرى غاية في الأهمية، وهي التعامل بإيجابية عند تلقي الهدية وإظهار التعاطف والامتنان والشكر.
كما تعبر الهدية عن طبيعة وملامح الشخصية التي تقدّمها، فمثلاً عندما يقدّم الخطيب لخطيبته «وردة»، فهي تعبّر عن رقته ومشاعره الفياضة تجاهها، والرغبة في الاحتفاظ بالعلاقة. أما الشخصيات التي تختار الهدايا وتربطها بمدى انتفاع الطرف الآخر منها، فإنها شخصيات عقلانية تمارس العاطفة وتمزجها بالتفكير؛ لذا يطلق عليها في علم النفس الشخصية العملية المفكرة التي لا تبالغ في التعبير عن عواطفها، ومنطقية في اختيار الهدايا، وهذا النوع يفضّله الكثيرون؛ لأنه يوازن بين الأشياء.