في سورة من السور المكية أقسم الله تبارك وتعالى بمخلوقات عديدة من مخلوقاته العظيمة، ومن جملة تلك المخلوقات التي أقسم الله تعالى بها البحر المسجور، فهناك بحار تشتعل فيها النار، وهذه حقيقة كشف عنها العلم الحديث.
يقول د. زغلول النجار في كتابه «الإعجاز العلمي في السنة النبوية»: الاكتشافات العلمية الحديثة في هذا الموضوع، تبين وجه الإعجاز الذي يتجلى بكل وضوح شاهداً على بصدق هذه الرسالة التي أنزلت على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وَالْبَحْرِ هو الماء الكثير، ومن معانيه أيضاً الشق في الشيء، والفجوة التي تتسع في الأرض. يقول أصحاب المعاجم: «البَحْرُ الماءُ الكثيرُ مِلْحاً كان أَو عَذْباً، سمي بذلك لعُمقِهِ واتساعه، سمي البَحْرُ بَحْراً لاسْتبحاره وهو انبساطه وسعته».
أما المسجور فهو من الفعل (سجر)، والمسجور هنا بمعنى المشتعل والموقد، وذهب فريق من أهل اللغة إلى أن البحر المسجور هو البحر الذي امتلأ ناراً، وعن قوله تعالى: «وإِذا البِحارُ سُجِّرَت»، (التكوير:٦)، جاء في التفسير أَن البحر يُسْجَر فيكون نارَ جهنم، وكان علي بن أَبي طالب عليه السلام يقول: «المسجورُ بالنار أَي مملوء».
صدوع عملاقة
اكتشف العلم الحديث في العقود الأخيرة من القرن العشرين حقيقة تمزق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة، والتي تكون في ما بينها ما يعرف باسم «أودية الخسف» أو الأغوار، وأن هذه الأغوار العميقة تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة.
وتمتد هذه الأغوار في الاتجاهات كافة لعشرات الآلاف من الكيلو مترات، ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض، وعدد من بحارها، ويتراوح عمق الصدوع المشكلة لتلك الأغوار بين٥٦ كيلومتراً، و٠٧ كيلومتراً تحت قاع البحار والمحيطات، وبين ٠٠١ و٠٥١ كيلومتراً على اليابسة ،وتعمل على تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتقطيعه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة، ويسميها العلماء باسم «نطاق الضعف الأرضي» وهو نطاق لدن عالي الكثافة واللزوجة، تتحرك داخله تيارات الحمل من أسفل إلى أعلى حيث تبرد وتعاود النزول إلى أسفل، وهي بتلك الحركة الدائبة تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف الصخري للأرض إلى التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه (في ظاهرة تسمى ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات)، ومصطدماً في الجانب المقابل باللوح الصخري المجاور ليكون عدداً من السلاسل الجبلية، ومنزلقاً عن الألواح المجاورة في الجانبين الآخرين.
قيعان ملتهبة
وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها، وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية، لتساعد على دفع جانبي المحيط يمينا ويسارا، وتملأ المسافات الناتجة بالصهارة الصخرية المندفعة من باطن الأرض على هيئة ثورات بركانية عارمة تحت الماء.
تسجر قيعان جميع محيطات الأرض، وقيعان عدد من بحارها، وتجدد مادتها الصخرية باستمرار. وقد أدى هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات، وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلى تكون سلاسل من الجبال في أواسط المحيطات، تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية.
وبذلك ثبت لكل من علماء الأرض والبحار بالأدلة المادية الملموسة أن كل محيطات الأرض (بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي)، وأن أعداداً من بحارها (من مثل البحر الأحمر)، قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي.
جبال وجزر بركانية
وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساساً في قيعان البحار والمحيطات، وإن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة - على ضخامته - لا يستطيع أن يطفئ جذوة الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض إطفاء كاملا، وأن هذه الجذوة على شدة حرارتها - أكثر من ألف درجة مئوية- لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل، وأن هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية هو من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء في زماننا، وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين.
وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن على هيئة أعداد من الجزر البركانية، وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المقابلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات، ويؤدي هذا التصادم إلى اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج ، ما يؤدي إلى تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة التي تطوى وتتكسر لترتفع على هيئة سلاسل جبلية على حواف القارات.
سبق عظيم
ومن الغريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي لم يركب البحر في حياته مرة واحدة، فضلاً عن الغوص إلى أعماق البحار، يأتي بخبر السجر (وهو الإيقاد والاشتعال) عن ربه تعالى فيتحدث عن بحر يشتعل ناراً وهنا تتضح روعة هذا الحديث النبوي الشريف الذي قرر فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم حقيقة علمية مبهرة بقوله: «إن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً».
هذا السبق لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدراً غير الله الخالق العليم، الذي أنزل هذا القرآن الكريم بعلمه، على خاتم أنبيائه ورسله، وعلّم هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به ومنها حقيقة «البحر المسجور» التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في نهايات القرن العشرين.