دبي: حمدي سعد
تتصدر دولة الإمارات الاهتمام العالمي مع انطلاق «إكسبو 2020 دبي» مطلع أكتوبر/تشرين الأول المقبل الذي يمثل التجمع الاقتصادي والمعرفي الأكبر؛ حيث تجتمع النخب الاقتصادية خلال هذا الحدث؛ لرسم خريطة جديدة للاقتصاد العالمي، الذي أرهقته أزمة الفيروس بشدة، وجعلته يعيد حساباته، وتوجيه بوصلته المستقبلية وفق معطيات جديدة. وينطلق «إكسبو 2020 دبي» بعد أقل من 7 شهور من الآن، والذي يعد الإكسبو الدولي الأول الذي يُقام في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، في تاريخه الممتد منذ نحو 170 عاماً، في وقت يحتاج العالم فيه إلى مثل هذا المحفل الدولي أكثر من أي وقت مضى؛ من أجل مناقشة التحديات المُلحة التي يواجهها العالم المعاصر، ووضع حلول مبتكرة لها، تحت شعار: «تواصُل العقول وصُنع المستقبل».
حشدت دولة الإمارات الكثير من مواردها وطاقاتها، بالتعاون مع أكثر من 200 جهة دولية مشاركة؛ لتنظيم نسخة استثنائية من هذا الحدث الدولي، تُلهم العالم بالتغيير الإيجابي، وتقدم حلولاً ناجعة لبعض من أبرز تحديات العصر، وتترك أثراً هادفاً يمتد لعقود قادمة، وفي هذا الإطار، سيناقش «إكسبو 2020 دبي» الكثير من هذه التحديات ضمن 3 موضوعات رئيسية؛ هي: «الفرص والتنقل والاستدامة».
وتُشكّل هذه الموضوعات ال3 محاور رئيسية لتنمية جميع اقتصادات العالم في العصر الحديث، فلا تنمية تصب في مصلحة الجميع من دون ضمان تحقق عناصر الاستدامة فيها؛ ولن يتعزز نمو الاقتصادي في أي بلد من دون أن تكون لديه البنية الأساسية؛ لتسهيل تنقُّل الأشخاص والبضائع والبيانات والأفكار؛ ولن ينمو أي اقتصاد في أي بقعة من أرجاء المعمورة من دون خلق الفرص التي تحقق النمو لهذا الاقتصاد.
الاستدامة
اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015 أهداف التنمية المستدامة، وهي 17 هدفاً تُعرف أيضاً باسم الأهداف العالمية، باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030.
وسيكون الحدث الدولي، طيلة فترة انعقاده الممتدة على 6 أشهر، منصة لإحداث التغيير، ومشاركة الحلول، واستكشاف الأفكار الجديدة التي تشجع على العمل معاً من أجل حماية كوكبنا وتحقيق الاستدامة في إطار الأهداف الإنمائية العالمية.
ويتناول موضوع الاستدامة في إكسبو 2020 الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للأماكن التي نعيش فيها، ويسعى إلى إحداث أثر بيئي إيجابي في المستوى المحلي، وإقليمياً، وعالمياً.
وسيكون جناح الاستدامة مثالا يُحتذى على مستوى التصميم المعماري المستدام، وسيكون جزءاً من الإرث الذي سيخلّفه إكسبو 2020 بعد انتهاء فعالياته؛ إذ سيتحول إلى مركز للعلوم ويتطلع القائمون على جناح الاستدامة إلى أن يصبح في مرحلة الإرث مبنى ذاتي الاستدامة يولّد احتياجاته الخاصة من طاقة ومياه بنسبة 100%.
ويحكي جناح الاستدامة لزواره حكاية علاقة البشر بالطبيعة، وفي الوقت ذاته يعالج الأثر البيئي السلبي الذي يتسبب به إلى حد كبير السلوك البشري؛ وذلك ليساعد الزوار على فهم أثرهم في البيئة، ومن ثَمّ يحثهم ليصبحوا دعاة للتغيير. وفي فترة انعقاد إكسبو 2020، سيستضيف الجناح أيضاً فعاليات ترفيهية وتثقيفية، كالعروض العلمية والثقافية التي تتمحور حول موضوع الاستدامة.
التنقل
التنقل إحدى الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية في جميع دول العالم؛ ولا يقتصر مفهوم التنقل في عصرنا على حركة الأشخاص والبضائع وحسب، وإنما أصبح هذا المفهوم أكثر اتساعاً؛ حيث بات يشمل حركة البيانات والمعلومات والأفكار والخدمات والثقافات، وطبعاً حركة رأس المال.
لذلك، فإن التنقل يعد محركاً رئيسياً لنمو حركة التجارة ومن ثم تعزيز النمو الاقتصادي في بلدان العالم؛ فمن يتخيل مثلاً كيف كان سيصبح الحال في زمن الجائحة لو لم تكن الإنسانية قد امتلكت ما تملكه الآن من وسائل نقل للمستلزمات الطبية واللقاح فضلاً عن تنقل المعلومات والبيانات والأفكار، والأموال وأيضاً البضائع. كيف كانت ستستمر الحركة التعليمية من دون وسائل الاتصال السمعي والبصري الحديثة؟ وكيف كانت حركة الأموال ستستمر من دون امتلاك التقنيات التي تمكننا من تحقيق هذا في ثوانٍ معدودة وبكبسة زر واحدة عبر الفضاء الإلكتروني؟ بل وكيف كانت سلاسل الإمداد ستستمر من دون امتلاك كل هذه التقنيات الحديثة؟ كل هذا وأكثر يثبت لنا أهمية تلك التقنيات في استمرار الحياة على هذا الكوكب.
وفي إكسبو 2020 دبي، سيناقش الكثير من المشاركين الدوليين والشركاء حلول التنقل وقد أبرم إكسبو 2020 دبي شراكات مع عدد كبير من الشركات المتخصصة في المجالات ذات الصلة، ومن بينها أكسنتشر (شريك الخدمات الرقمية)، وسيسكو (شريك الشبكات الرقمية)، وموانئ دبي العالمية (شريك التجارة الدولية)، وطيران الإمارات (شريك الطيران الرسمي)، وبنك الإمارات دبي الوطني (شريك الخدمات المصرفية الرسمي) واتصالات (شريك خدمات الاتصالات)، وماستركارد (شريك تقنية المدفوعات الرسمي)، ونيسان (شريك قطاع السيارات الرسمي)، وإس. إيه. بي. (شريك الحلول البرمجية المبتكَرة)، وسيمنس (شريك رقمنة البنية التحتية)، وترمينوس تكنولوجيز (الشريك الرسمي للروبوتات).
الفرص
وسيكون إكسبو 2020 دبي منصة لاستعراض الفرص المتاحة في جميع المجالات المرتبطة بموضوعاته والإلهام بفرص جديدة عبر تبادل الأفكار. ويدعم إكسبو 2020 دبي الكثير من الأفكار والحلول المبتكرة عبر برنامج إكسبو لايف الذي قدم منحاً ل140 مشروعاً من 76 دولة، تصل قيمة الواحدة منها إلى 367 ألف درهم (100 ألف دولار)، وجميعها مشروعات تهدف إلى تحسين حياة الناس في المجتمعات المحلية أو حماية الكوكب.
وسيُسهم إكسبو 2020 دبي في تحقيق رؤية الإمارات 2021، عبر دعم الحركة السياحية وإنشاء مشروعات مبتكَرة.
دعم الشركات
ويولي إكسبو 2020 دبي اهتماماً خاصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة؛ لإدراكه أنها تلعب دوراً رئيسياً في تحقيق النمو وإتاحة فرص العمل في دولة الإمارات ويلتزم إكسبو بتخصيص 20% من النفقات المباشرة وغير المباشرة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وبلغ حجم العقود التي منحها إكسبو 2020 دبي للشركات الصغيرة والمتوسطة حتى أكتوبر 2020، ما تقرب قيمته من 5.12 مليار درهم، وتجاوز عدد المؤسسات المسجّلة للعمل مع إكسبو 2020 دبي، 46 ألف مؤسسة من أكثر من 180 بلداً وتمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو 54% من مجموع الشركات المسجّلة لدى إكسبو 2020، وقد نالت 55% من عقود إكسبو 2020.
منظومة ابتكارية
وبعد إسدال الستار على فعاليات إكسبو 2020 دبي، سيتحول موقع الحدث الدولي إلى دستركت 2020، وهي المدينة الذكية التي تتمحور حول الإنسان، والتي ستعيد توظيف أكثر من 80% من منشآت إكسبو 2020 دبي.
وستشكل دستركت 2020 منظومة ابتكارية تهدف إلى دعم تقدُّم دولة الإمارات في مسيرتها نحو اقتصاد يقوم على الابتكار، وستدعم أيضاً النمو الصناعي والتقني في المنطقة، وتحتضن مجموعة من أرقى المرافق التعليمية والثقافية والترفيهية.
وقد أبدى شريكان من شركاء إكسبو 2020 دبي من فئة شريك أول رسمي، وهما شركتا «سيمنس» و«موانئ دبي العالمية»، التزامهما بأن يكون لكل منهما مقرها الدائم داخل دستركت 2020. وفي هذا الصدد، ستؤسس شركة «سيمنس» مقرها للعمليات اللوجستية العالمية للمطارات والبضائع والموانئ في الموقع، وتخطط «موانئ دبي العالمية» لفتح مركز تدريب على العمليات اللوجستية في دستركت 2020. أما «ترمينوس تكنولوجيز» شريك إكسبو للروبوتات من فئة شريك أول رسمي فقد أبرمت عقد إيجار طويل الأجل في دستركت 2020، حيث ستنشئ مركزاً للأبحاث والتطوير، فضلاً عن مقرها الأول خارج الصين. وسيتحوّل جناح الاستدامة إلى مركز للعلوم بعد ختام فعاليات إكسبو وستصبح العديد من المنشآت الرئيسية الأخرى، مثل ساحة الوصل وجناح التنقل ومركز دبي للمعارض أجزاء دائمة من دستركت 2020.
تأثير ممتد
تشير التوقعات العالمية كافة إلى أن تأثير «إكسبو 2020 دبي» الاقتصادي على دولة الإمارات سيمتد لسنوات طويلة وعلى مجموعة واسعة من القطاعات أبرزها السياحة والسفر واللوجستيات والتجزئة والإنشاءات.
وأطلقت دولة الإمارات مؤخراً تشريعات وسياسات ومبادرات تحفيز جديدة عززت قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وتأتي توجهات الإمارات الجديدة، لاسيما المتعلقة بالتملك الحر والإقامات الذهبية والتأشيرات الممتدة وغيرها حلقة من سلسلة ممتدة هدفها تعزيز مكانتها في جذب الاستثمارات الجديدة والكفاءات من جميع أنحاء العالم.
ويعد «إكسبو 2020 دبي» فرصة تاريخية لدول المنطقة وإفريقيا لعرض الفرص الاستثمارية المتوفرة فيها، لاسيما المتعلقة بالصحة والغذاء والاستدامة والتنقل وغيرها، سعياً لإحداث تنمية تعزز من قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.