انقلابات الغنوشي الإخوانية

00:15 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

من يتنكر للوطن، ويحرّض عليه، ويشكك في ماضيه، ويجحد حاضره، ويسعى لزعزعة استقراره، وتغييب أمانه، واستباحة دم أبنائه، وتدمير إنجازاته، والنيل من مكتسباته، هو شخص لا يحمل أي انتماء لوطنه، ولا يتمنى له خيراً، ولديه كل الاستعداد للتعاون مع الشيطان لإسقاطه؛ ومن يتأمل تاريخ «الإخوان» في أي بلد عربي سيجدهم قوماً ليست لديهم ثوابت، وهم كما الحرباء يجيدون تغيير جلودهم بين وقت وآخر حسب مقتضيات اللحظة، ومصلحة الجماعة. 

 ابتداء من حسن البنا الذي خدع شعباً، بل أمة، وتحت شعار الدعوة، تسلل إلى السياسة وسعى إلى السلطة، وقاتل وقتل لأجلها، وأدخل على القاموس الوطني مصطلح الاغتيال، فكانت نهايته بالطريقة نفسها التي ارتضاها لخصومه، ومروراً بسيد قطب الذي انقلب على ثورة ٢٣ يوليو بعد أن اكتشف أنها رفضت السماح له ولجماعته بالجلوس على عرش مصر وتمكينه منها، وبعد أن انكشفت ألاعيبه، ولَم يكن من حل معه سوى إيداعه السجن، فقرر تسميم أفكار المحيطين به في المعتقل، وقفزت سمومه على جدران الأمكنة والأزمان، وعبرت الحواجز البرية والبحرية لتنتشر على خريطة الكوكب، تصيب ضعاف النفوس مزعزعي الإيمان فاقدي الذات والمتمردين على الوطن في أماكن عدة حول العالم. 

 الإخوان «عشيرة» تجيد الانقلاب على العهود والمواثيق والوعود، وليس لديهم أسهل من الانقلاب على الوطن، وليس ببعيدة وعودهم للمصريين بعد ثورة يناير التي سطوا عليها، بعدم الترشح للرئاسة، ليفاجأ الناس باثنين منهم على قوائم الترشيح، أحدهما أساسي كانوا يراهنون عليه، والآخر «احتياطي»، وجاءت عواصف السياسة ب«الاحتياطي» رئيساً، وهو ما لم يكن متوقعاً من أمهر المحللين وأكثرهم دقة، وسواء جاء هذا، أو ذاك، فإن الحكم للمرشد والمتحكمين في الجماعة من الداخل والخارج، وهو ما حدث خلال العام الأسود الذي حكم فيه مجلس الإرشاد وزبانية الإسلام السياسي، وهو الوضع الذي كان شاذاً على مصر التاريخ والحضارة، ودفعها للقيام بثورتها التصحيحية في ٣٠ يونيو. 

 والإخواني الذي شهد له الكثيرون بإجادته لعبة الانقلابات هو راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، والذي استلقى خوفاً وطمعاً عندما كانت الرياح العربية المناهضة «للإخوان» عاتية، وحاول إيهام الرأي العام بأن نهج النهضة يختلف عن نهج «الإخوان»، وكما يقول المثل ظل «يتمسكن حتى تمكّن»، وأصبح رئيساً للبرلمان، ونجح في التسلل إلى القرار التنفيذي عبر رئيس الوزراء هشام المشيشي، ولأنه يجيد صناعة الفتنة نجح في ذلك في الوقوف خلف التغييرات الوزارية المتجاوزة لإرادة الرئيس قيس سعيّد، والمتحدية لمقام رئاسة الجمهورية، وما تبعها من الانقلاب الغنوشي على الرئاسة بالتصريحات التي أعلن خلالها أن منصب الرئيس رمزي، وما يعنيه ذلك من استفراد النهضة بالقرار من بوابة المشيشي، ولَم يكتف بذلك بل سعى للانقلاب على دستور الدولة من خلال دعوته لأن يكون النظام التونسي نظاماً برلمانياً، أملاً في أن يتيح ذلك سيطرة النهضة الإخوانية على بشر وحجر وحاضر ومستقبل تونس. 

 الغنوشي كما أسلافه، لم يكتف بالانقلاب على الرئيس في داخل تونس، بل يسعى للانقلاب على الاتحاد المغاربي، بالدعوة إلى تشكيل اتحاد جديد بين ثلاث دول مغربية، هي تونس وليبيا والجزائر، مستبعداً المغرب وموريتانيا، ما يمكن أن يشعل فتنة بين دول المغرب العربي، ويخلق جدراناً تسد آفاق الأمل، وتفرّق بين الإخوة، وتتجاوز أعراف الدبلوماسية ولغة السياسة بين أشقاء جمعتهم لغة وتاريخ وحضارة، ما أثار غضب أهل الوعي والحكمة في مختلف البلدان المغاربية. 

 الغنوشي هو العنصر الإخواني الأنشط على الساحة العربية اليوم، وهو يتوهم أن الوقت حان للاستيلاء على تونس والنفاذ من خلال اتحاد وهمي إلى الدول المجاورة، ثم الانطلاق عربياً لتحقيق حلم دولة الخلافة، أو إمبراطورية الوهم السلطاني، ولن تكون التظاهرة الفاشلة التي نظمها الأسبوع الماضي هي آخر محاولاته للسطو على الدولة التونسية. 

 الشعب التونسي يدرك جيداً ألاعيب الغنوشي، ويعي ما يخطط له هو وداعموه في الخارج، ولو تركه يلعب بعض الوقت إلا أنه سينقض عليه في الوقت المناسب ليضعه في المكان الذي وضع فيه الشعب المصري رفاقه من أهل التضليل والاتجار بالدين.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"