فرنسا والعبء الاستعماري

00:32 صباحا
قراءة دقيقتين

مفتاح شعيب

أقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خطوة جريئة مقارنة بأسلافه، عندما سمح بالاطلاع على الأرشيف السري لحرب التحرير الجزائرية، بعد أسبوع من اعترافه رسمياً، بأن المناضل علي بومنجل قد مات تحت التعذيب، «ولم ينتحر»، مثلما كانت تردد باريس طوال 64 عاماً. وبات واضحاً أن فرنسا تريد أن تتخلص من العبء الاستعماري لتدشن عهداً جديداً مع مستعمراتها السابقة.

  قرار ماكرون سيجر بعض المتاعب على فرنسا، وسيلقى مقاومة وانتقادات، خصوصاً من اليمين المتطرف. ورفع السرية عن الأرشيف سيكشف عن جرائم حرب واسعة النطاق تورط فيها الجيش الفرنسي والمستوطنون على مدى 130 عاماً، وسيدعم الموقف الجزائري المطالب بالاعتذار عن الحقبة الاستعمارية بما يمكّن من طيّ صفحة الماضي الأليم، ويسمح لأجيال المستقبل في البلدين بأن تعيش من دون ضغائن. وما يجري مع الجزائر ينطبق على المستعمرات الفرنسية الأخرى، في المغرب وتونس ومعظم الدول الإفريقية، وكلها تطالب بتصفية الإرث الاستعماري، وكشف الانتهاكات التي اعترف بها، في العقود الماضية، ضباط وجنرالات خدموا في الجيش الفرنسي، وعناصر في وحدات إرهابية مثل منظمة «اليد الحمراء» المسؤولة عن قتل قيادات قاومت الاحتلال في المغرب العربي، أشهرهم مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل فرحات حشاد.

 وبدءاً من اليوم سيبدأ الأرشيف العسكري الفرنسي كشف أسراره، وستأخذ ألغاز كثيرة طريقها إلى الحل السياسي، أو أروقة القضاء. ومن المتوقع أن تكون بعض الحقائق صادمة ومؤلمة، سواء ما تعلق منها بجرائم القتل، أو النفي، مثلما حدث للمئات من الجزائريين الذين أبعدتهم القوات الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر إلى جزيرة كاليدونيا الجديدة النائية في المحيط الهادي، وما زال أحفاد أولئك المنفيين يطالبون بإنصاف أجدادهم، والاعتراف بالمظلمة التاريخية التي لا تسقط بالتقادم وتتطلب تعويضاً معنوياً، وتسوية سياسية. 

  الخطوة الفرنسية بداية الاعتراف بالأخطاء، أما الغاية النهائية فتتعلق بتنقية الأجواء ووضع العلاقات بين الأمم والشعوب على أسس صحيحة تتجاوز جدلية المستعمر والضحية. والوصول إلى تلك النتيجة سيتطلب الكثير من التنازل والصفح، وكل شيء ممكن إذا صدقت النوايا، وتم إعلاء القيم الإنسانية على ما عداها. وبعد أكثر من نصف قرن من العلاقة المضطربة بين فرنسا وأغلب مستعمراتها، آن أوان التعرف إلى الحقائق كما كانت.   

     وبإمكان فرنسا، بما تمتلك من إرث حضاري، أن تكسب الشعوب التي استعمرتها ونهبت ثرواتها عقوداً. وبإمكان كل شعوب الأرض أن تتمسك بفضيلة التسامح والتعايش، وألا تظل أسيرة الماضي وآلامه، لأن التقدم الإنساني يتطلب مثل هذه المرجعيات، والأمن والسلم الدوليان يقتضيان بناء علاقة تتأسس على الاحترام المتبادل للخصوصيات والهويات والثقافات. وقد يشهد العالم في السنوات المقبلة خطوات مماثلة للقرار الفرنسي، فهناك شعوب كثيرة تنتظر الاعتراف بما تم ارتكابه بحقها تريد اعتذارات صريحة، ليس للعودة إلى الماضي، وإنما ليأخذ التاريخ مجراه الصحيح.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"