الحياد والموضوعية

00:05 صباحا
قراءة 4 دقائق

على الصحافة والإعلام التقليدي الاعتماد على تعزيز الموضوعية لاستعادة المصداقية
ربما تكون الصحافة والإعلام أقرب النشاطات البشرية للسياسة والاقتصاد، وكما في السياسة لا يوجد عدو دائم ولا حليف دائم، كذلك في الصحافة والإعلام لا يوجد نموذج ثابت للقياس بل قواعد عامة تحكم المهنة.
   لا يوجد ما يمكن وصفه بالحياد المطلق، فالانحياز سمة بشرية طبيعية، حتى في العلم. أذكر أستاذ الجراحة الراحل الذي كان يعلمنا في الجامعة حين أراد أن يضرب مثلاً على أنه لا حياد حتى لدى الجراح الذي تلعب خلفيته الثقافية وبيئته وعوامل أخرى دوراً في “انحياز” ما حتى وهو يفتح قطعاً لعملية شهيرة ومحددة الإجراءات،  فيستحيل أن تجد قطعاً مماثلاً من جراح لآخر.
  بالطبع لا يمكن استثناء الصحافة والإعلام من ذلك، بل إن الانحياز في هذه المهنة الإبداعية والمتداخلة مع السياسة والاقتصاد والاجتماع يكون واضحاً أكثر، لكن ذلك لا يعني أن سمة الإعلام الانحياز المطلق أيضاً، فالانحياز درجات، وفي مهنة الصحافة والإعلام تحكمه معايير وقواعد وأصول قد لا تكون صارمة، وهذا منطقي أيضاً، لكنها تحد من ذلك الانحياز حتى لا يصبح ضاراً بأطراف التوصيل الإعلامي من سلطة ومصادر وجمهور واسع.
  قبل عقود كانت الصحافة في العالم تنقسم – جزافاً- إلى مدرستين رئيسيتين، الأوروبية والأمريكية ، وبينهما ما يمكن أن يوصف بمزيج بين الاثنتين تميزت به الصحافة في شبه القارة الهندية وغلب أيضاً على الصحافة العربية التقليدية. أما الصحافة الأمريكية فهي مباشرة وتعتمد على المعلومة المجردة المسنودة بمقاطع كلام مباشر من المصادر أو شهود العيان أو الخبراء المعنيين، وفيها تجد الفارق بين الخبر ومقال الرأي واضحاً جلياً أقرب للأبيض والأسود، وبينهما درجات رمادية في التقارير والتحقيقات الصحفية، وكانت الصحافة الأوروبية، خاصة البريطانية، تتيح مساحة للصحفي الذي يجمع المعلومات ومقاطع الحديث وغيرها من الأسانيد بما فيها السياق العام و”يطبخها” ثم ينتج أشكال المحتوى الصحفي والإعلامي كافة .
  وبنهاية القرن الماضي تراجعت تلك التمايزات بين المدارس الصحفية المختلفة، وإن ظل الفارق واضحاً بين الخبر والرأي في الصحافة والإعلام خاصة مع طغيان الإعلام المرئي على الصحافة المطبوعة والإذاعة التي تعد الأقرب للصحافة عن التلفزيون، ثم جاءت فورة انتشار الانترنت، وبعد ذلك مواقع التواصل، وطغت موجة جديدة مما سمي “الصحافة التفاعلية” أو “الصحفي المواطن” ليخفف أكثر من معايير وقواعد المهنة الصحفية الصارمة التي تدرس لطلاب الصحافة والإعلام أويتعملها المهنيون في مسار عملهم الصحفي.
  تميزت السنوات الأخيرة، تقريباً منذ بداية القرن الحالي بما يصفه البعض بالحرية المطلقة، رغم أنه لا يوجد شيء في نشاط البشر يصح وصفه بالمطلق، فكله نسبي ، فالإنترنت غير منظمة بقواعد صارمة ولا تخضع في أغلب الأحيان للمعايير التي تخضع لها وسائط النشر التقليدية. صحيح أن بعض الدول سنت قوانين للنشر على الانترنت، لكنها في الأغلب الأعم قوانين تستهدف جرائم التشهير والسب والقذف وما شابه، لكن تلك القواعد والمعايير لا تنظم النشر على الإنترنت ولا تتعلق بالقواعد المهنية التي تعتمدها الصحافة والتقليدية.
  بالطبع، كان لذلك تأثيره على الصحافة التقليدية وأصبح الإعلام التقليدي يمزج بين الخبر والرأي والمعلومة المجردة والسياق الذي يستهدف غرضاً. 
وفي محاولة من الإعلام المرئي للاستفادة من طغيان الانترنت ومواقع التواصل، برز شكل جديد من المحتوى يطغى فيه الرأي على الخبر والتحليل المغرض على المعلومة المجردة، ونال ذلك إلى حد كبير من مصداقية كثير من منافذ الصحافة والإعلام التقليدي، وأعطى مساحة أكبر للتلفيق وحملات التضليل على الإنترنت.
   وجاءت أزمة وباء  كورونا لينتبه العالم كله إلى مخاطر تلقي المعلومات والأخبار من مواقع التواصل التي حفلت بالخرافات ونظريات المؤامرة والكذب الفج والتضليل المتعمد بما لكل ذلك من مخاطر على الصحة العامة والأمن والسلم للمجتمعات، وأدركت السلطات في كثير من الدول أهمية الصحافة والإعلام التقليدي كوسيلة لتوصيل رسائلها التوعوية بشأن الوباء، وأيضاً لوضع سياساتها على أساس ردود فعل حقيقية من جماهيرها وليس نتيجة حملات لجماعات “ناشطة” على مواقع التواصل توصف غالباً بالذباب الإلكتروني.
  لكن يبدو أن تلك الصحوة لم تستمر كثيراً، بغض النظر عن الأسباب، وتكاد تفقد الصحافة والإعلام التقليدي مساحة الثقة والمصداقية التي عادت إليها في أزمة الوباء لصالح عودة الجماهير للمحتوى غير المنظم وغير الخاضع لأي معايير، ومع استغلال جماعات الإرهاب والتطرف، وأحدثها التطرف اليميني العنصري في الغرب، للانترنت ومواقع التواصل لحشد الملايين من المضللين، يعود الحديث عن ضرورة تنظيم المحتوى على تلك الوسائط وتشريع القوانين التي تجعله خاضعاً للقواعد والأصول التي يتميز بها الإعلام التقليدي، وفي المقابل تجد أصواتاً تعارض ذلك، ليس فقط من اليمين المتطرف بل من اليسار الليبرالي أيضاً، باعتباره تضييقاً على الحريات.
  أتصور أن من بين أسباب عدم استفادة الصحافة والإعلام التقليدي من فترة الوباء أنه ظل يعمل بطريقة إنتاج المحتوى التي تأثرت كثيراً بعصر الإنترنت ومواقع التواصل وما يسمى “إعلام النشطاء”، وما زالت الفرصة قائمة للعودة إلى إنتاج المحتوى من قبل “إعلام المهنيين”، وإزاحة الخط الوهمي بين الرأي والخبر لصالح الخبر، ولا داعي للقلق من مسألة الحياد، فهي غير منطقية، إنما على الصحافة والإعلام التقليدي الاعتماد على تعزيز الموضوعية لاستعادة المصداقية.

[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yefa7pfu