عادي

محامية تقاضي زوجها

21:35 مساء
قراءة 3 دقائق
محكمة
محكمة


كتبت: آية الديب
جلس «سعيد» بجانب رجل مسن ليستريح قليلاً قبل التوجه إلى عمله، فاليوم أتى إلى المحكمة لحضور دعوى قضائية هو المتهم فيها، إلا أن القاضي قرر تأجيل الدعوى، وبعد مرور دقائق قليلة سأله المسن عما إذا كانت توجد ماكينة صراف آلي قريبة منهما، إلا أن «سعيد» لم يجب، فكرر المسن السؤال له ثانية لكنه لم يجب أيضاً. 
ظن المسن أن في «سعيد» أمراً ما، فمنذ أن جلس جانبه وهو ينظر إلى الأرض حتى أن هاتفه رن أكثر من مرة، لكنه لم يرد، فوضع المسن يداه على إحدى ركبتي «سعيد» قائلاً: يا بني هل أنت بخير أو تحتاج إلى أية مساعدة؟ حينها التفت «سعيد» إلى المسن قائلاً: شكراً يا والدي، أنا بخير إلا أن الجلوس على هذا المقعد ذكرني بما حدث لي منذ سنوات، والذي كان أحد أسباب سعادتي واليوم هو نفسه سبب وجودي في المحاكم متهماً.
وطلب منه المسن أن يشاركه تفكيره إذا رغب في ذلك، قائلاً: أنا مثل والدك، والتحدث والتنفيس عن النفس ربما لا يحل المشكلات، إلا أنه من المؤكد أنك ستهدأ بعدها، فرد سعيد قائلاً: تعرفت إليها قبل 5 سنوات هنا في إحدى قاعات المحكمة، حيث كنت هنا بسبب مخالفة مرورية ورأيتها تترافع بقوة عن أحد المتهمين، وتصادف بعدها نزولنا سويا في المصعد نفسه، وبعدها وجدتها كانت تصفُّ مركبتها إلى جانب مركبتي في مواقف المركبات، وكأن كل المصادفات تجتمع لنتعرف إلى بعضنا بعضاً. 
حينها أبديت لها أعجابي بقوتها كحمامية امرأة ترافعت مرافعة جذبت انتباه كل الحاضرين، فأعطتني رقم هاتفها وبطاقتها التي تحمل تفاصيل المكتب الذي تعمل فيه للاستعانة بها في أي وقت، إلا أن علاقتنا تطورت بعيداً عن أروقة المحاكم وتبادلنا الإعجاب إلى أن تزوجنا، ولم أكن أعلم حين تزوجتها بأن عملها سيؤثر في حياتنا بهذا الشكل. بالطبع كل مهنة لها مميزاتها وعيوبها، وللعاملين فيها نصيب منها، إلا أنني لم ألتفت إلى أن المحامين يعلمون جيداً الحجج التي يلجؤون إليها لإنقاذ موكليهم، وأنها لن يكون لديها الوقت للاهتمام بي وبأبنائنا، ففي الصباح في المحاكم، وفي المساء تعمل في المكتب تلتقي الموكلين وتقدم استشاراتها القانونية. 
تحملت ظروف عملها والتقصير في حقي كثيراً، بل وبمرور الوقت تعلمت مفردات القانون وكنت أقضي المساء معها مستمعاً للخطب والمذكرات الدفاعية التي تستعد لتقديمها في المحاكمات، لكنني كنت أفرح بنجاحها وكأنها تترافع عني أنا في قضاياها. 
وبعد إنجاب طفلينا الأول والثاني ازدادت أحوالنا سوءاً، فقد كانت تهمل الأطفال وتعتمد على الخادمة اعتماداً كلياً في رعايتهما، وكثيراً ما نبهتها إلى خطورة هذا الأمر، وخلال وجودي في المنزل كنت أسعى إلى تعويض أبنائي عما يفتقدونه من أمهم.
وذات يوم بينما كنت عائداً من عملي حيث فيه مشكلات عدة، فوجئت بابني ينادي الخادمة بالكلمات التي ينادي بها أمه، وبعدها أخبرتني الخادمة بأن طفلي في حاجة إلى زيارة الطبيب، عندها اتصلت بزوجتي أكثر من مرة، لكنها كانت تغلق الهاتف كلما اتصل بها لانشغالها. 
لم أتمالك نفسي وتوجهت إليها في المكتب الذي تعمل فيه وكان حوارنا حاداً، وصوت كل منا مرتفع في النقاش الذي انتهى بأن طردتني من مكتبها، وحينها سكت للحظات ثم رددت عليها بسبها هي وعملها. 
على مدى سنوات من ارتباطي بها لم أتخيل يوماً أنني سأقف معها في قاعات المحاكم، وإذا قبل عقلي تخيل هذا الأمر، فبالطبع ستكون هي من يدافع عني، ولكن المطاف انتهى بنا إلى أنها رفعت علي دعوى قضائية تتهمني فيها بالسب وتطالب بإلزامي بتعويضها مالياً، وفشلت المحاولات الودية للإصلاح بيننا. 
أمام المحكمة أكدت للقاضي أنني لم أكن أقصد الإساءة لها أو التقليل من شأنها كامرأة، وأن هذه الأمور تحصل في كل الأوقات وبين الأزواج، وأن غيرتي على بيتي وأولادي، وطردها لي من المكتب هو ما جعلني أتلفظ بتلك الألفاظ من دون الشعور بها.
قضت محكمة أول درجة بمعاقبتي بغرامة فاستأنفت الحكم، ثم قضى قاضي الاستئناف ببراءتي، ثم تم نقض الحكم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yhbngxsl