عادي

قمة المناخ لاستعادة قيادة أمريكا للعالم

23:31 مساء
قراءة 4 دقائق
1

إعداد- بنيمين زرزور:

تتدحرج القضايا العالمية على سلم الأولويات في أجندات حكومات العالم الفاعلة تبعاً للمتغيرات التي تمليها مصلحة هذه الدولة أو تلك، وفي الأغلب يخفي تسخين قضية دون أخرى، نوايا سياسية مبيتة تتكشف فيما بعد.

كان لافتاً عند فوز الرئيس الأمريكي جو بايدن في الانتخابات الأخيرة مسارعته لتكليف وزير الخارجية الأسبق السيناتور جون كيري، مفوضاً أمريكياً لشؤون البيئة، في خطوة توحي باهتمام الإدارة الجديدة بقضية تغيرات المناخ التي تهدد كوكب الأرض؛ لكنها تشكل مدخلاً مريحاً؛ لاستعادة الدور الأمريكي المرتقب في قيادة العالم، خاصة وأنه المدخل الذي يتسع لجميع الحلفاء الراغبين في المشاركة طوعاً، ولا يستطيع الخصوم التنصل منه.

 وكان لافتاً الأسبوع الماضي توجيه الرئيس بايدن الدعوة لأربعين زعيماً على مستوى العالم، للمشاركة في قمة الأرض التي قرر عقدها افتراضياً خلال يومي 22 و23 إبريل /نيسان الجاري، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، على الرغم من عواصف الخلافات التي يملؤ غبارها الغلاف الجوي في الوقت الراهن.

وقال الرئيس الأمريكي يوم الجمعة 26 مارس/ آذار: إن الولايات المتحدة دعت زعيمي الصين وروسيا، للمشاركة في قمة عالمية بشأن تغير المناخ، مشيراً إلى أنه لم يتحدث مع الزعيمين؛ لكن الدعوة وصلت إلى كليهما شخصياً.

 العودة الأمريكية

وتشارك في القمة المرتقبة 17 دولة تعد مسؤولة عن 80 في المئة من الانبعاثات العالمية، وتمثل نفس النسبة من الناتج الإجمالي العالمي. وتشمل قائمة الدول ال 40 المدعوة إضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، عدة دول مثل: كندا والمكسيك، إلى جانب دول في أوروبا وآسيا، والمملكة العربية والسعودية ونيجيريا وجنوب إفريقيا. ويرى المراقبون في هذه الدعوة التي تمثل أول تحرك رسمي وعملي للإدارة الأمريكية بعد الوعود الانتخابية والهالة التي أحاطت بها الإدارة الجديدة قضية المناخ، عودة سريعة لواشنطن إلى خطوط المواجهة الأولى في مكافحة التغيرات المناخية بعد تخليها عن التزاماتها في عهد الرئيس دونالد ترامب. ويتزامن موعد القمة مع اليوم العالمي للأرض، وتشكل زخماً مطلوباً لقمة جلاسكو المنتظرة حول المناخ التي تعقد في نوفمبر/ تشرين الثاني من هذا العام. وقد وصف جون كيري قمة جلاسكو بأنها «أفضل فرصة أخيرة للعالم؛ كي يتحد؛ لتفادي أسوأ عواقب أزمة تغير مناخي».

 ولا شك أن عودة واشنطن القوية خاصة وأنها أول اقتصاد عالمي، وثاني أكبر مصدر لنفث غاز ثاني أكسيد الكربون المتهم الرئيسي في ظاهرة الاحتباس الحراري، تشكل عنصراً مهماً في ضبط درجات التزام حكومات العالم المتفاوتة بنصوص اتفاقية باريس لعام 2015 التي كانت الولايات المتحدة الأقل التزاماً بها خاصة في ظل حكومة ترامب التي انسحبت من الاتفاقية.

وقد نجحت قمم سابقة في توقيع معاهدات على مستوى العالم منها اتفاقية كيوتو التي وقعت عليها 183 دولة في فبراير/ شباط 2009، في تعريف العديد من المصطلحات ورسم أهداف قابلة للقياس في مجال نفث الكربون ودرجة حرارة الأرض؛ حيث تم وضع نظام لتوزيع حصص الكربون وتحديد هدف محدد فيما يخص ارتفاع حرارة الأرض بحد أقصى لا يزيد على 1.5 درجة مئوية. ويتماشى ذلك مع التعهدات التي قطعتها أكثر من 100 دولة - بما فيها الصين ودول الاتحاد الأوروبي- بخفض الانبعاثات الكربونية إلى مستوى الصفر بحلول منتصف القرن.

 تفاوت في الالتزام

ويعمل فريق بايدن على إدراج مثل هذه الأهداف مجدداً ضمن خطابه الرسمي ومن خلال برنامج العمل المعلن. فقد تحدث بايدن إلى الزعماء الأوروبيين في قمة افتراضية للمجلس الأوروبي مؤخراً. وقال البيت الأبيض: إن بايدن يحث زعماء العالم على استغلال القمة كفرصة لتوضيح سبل مساهمة دولهم في خفض الانبعاثات.

 وينتقد أنصار البيئة الجهود الفردية لبعض دول العالم الصناعية التي تراوغ في تفسير وتنفيذ اتفاقيات المناخ. وتكشف تجارب الدول الصناعية على الأرض عن تفاوت كبير في مستويات الالتزام بحماية البيئة وتلاعب في توزيع حصص الكربون، فيما جمدت بعض تلك الدول برامجها على هذا الصعيد بعد انسحاب إدارة ترامب من اتفاقية باريس. إلا أن تفشي وباء كورونا والجهود العالمية المنسقة لمواجهته أعادت إلى الأذهان أهمية التعاون الدولي في مواجهة كوارث ربما تكون أشد خطراً من الوباء.

 ولعل هذا أحد البواعث التي حفزت حملة بايدن الانتخابية على التركيز على قضية المناخ كأحد عوامل جذب انتباه الناخبين؛ حيث أكد أن إدارته ستعمل على تحديث البنية التحتية للمياه والنقل والطاقة لجعلها مجهزة بشكل أفضل لمقاومة الظروف الجوية القاسية، وقال إنه يريد بناء 500 ألف محطة لشحن السيارات الكهربائية و1.5 مليون منزل أخضر. كما وعد بإغلاق آبار النفط والغاز المهجورة التي تشكل خطراً على الصحة والسلامة.

ولا توحي الأجواء المصاحبة لعقد القمة بأن التوافق على أهداف جديدة فيما يخص خفض نسب الكربون سيكون أمراً سهلاً على الرغم من أن كل دولة تنسب لنفسها الفضل في هذا السياق. فعلى الرغم من إعلان الصين مثلاً عن أهداف طموحة تمثلت في الوصول إلى صفر كربون عام 2060، فإن ذلك أقرب إلى المستحيل في ظل خطط التنمية المعلنة التي يعد الفحم وقودها الرئيسي.

وفي حين تتراجع نسب تلوث الكربون في الولايات المتحدة وأوروبا بنحو 16% و22% على التوالي، قياساً على الذروة المسجلة في عام 2005، أي ما يعادل نحو 1.55 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، ارتفعت حصيلة التلوث في الصين بنسبة 36%، إلى 2.45 مليار طن.

من جانب آخر، تدرك الدول الكبرى التي تنازع واشنطن على زعامة العالم، النوايا الخبيئة التي تحرك حكومة بايدن، ولعل هذا ما يفسر تأخر رد كل من موسكو وبكين على دعوة بايدن.

 صحيح أن لفتة بايدن قد تخفي رغبة في التصالح بطريقة ما مع موسكو، وتعكس إدراكه أن مشاكل المناخ العالمي لا يمكن حلها من دون روسيا والصين، وقد تأتي كاعتذار غير مباشر عن التطورات السلبية في العلاقة مع كل منهما، إلا أن كلاً من بوتين وشي بينج ينتابه شعور بالشك من أن بايدن على استعداد لإشراك روسيا والصين حسب الحاجة إلى كل منهما فقط. وإذا ما قرر بوتين المشاركة في القمة، فستكون مشاركته مشروطة بضمان ألا تتحول المبادرة الأمريكية إلى مناسبة للتسليم التلقائي بقيادتها للعالم من دون منازع، خاصة في مجال الأجندة الخضراء العالمية؛ بحيث تنفرد في وضع قواعد اللعبة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yz2k2xjf