لحظة حرجة في القرم

00:52 صباحا
قراءة دقيقتين

هناك علامات تشير إلى أن تصعيداً كبيراً قد يضرب العلاقة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، «الناتو»، بسبب أزمة القرم، التي يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، تعمل على إحيائها في إطار سياستها المعلنة بتكثيف الضغط على موسكو بسبب التباين حول قضايا عدة. وفي المقابل، ليس هناك ما يوحي بأن روسيا سترضخ لهذا الضغط، أو تتراجع عن موقفها في شبه جزيرة القرم.
 ومن عوامل التصعيد المستجدة، طلب أوكرانيا من «الناتو» التسريع بعملية ضمها إلى الحلف، وهي تعرف أن هذه الخطوة، لو حدثت، لن تمررها موسكو بسلام، وقد ينزلق الوضع بسرعة إلى مواجهة عسكرية، وهو أمر لم يستبعده مسؤولون روس، وحذروا بعبارات واضحة من أن تمركز قوات «الناتو» في أوكرانيا وعلى مسافة لا تتجاوز 500 كيلومتر عن موسكو، سيكون له رد فعل عنيف، بالتزامن مع حديث عن حشود للجيش الروسي ضمن تدريبات ضخمة في المناطق المتاخمة لأوكرانيا، في وقت تعرف فيه منطقة دونباس الأوكرانية توتراً قد يتطور ليصبح قادحاً لأزمة مدمرة.
 أمام هذا السيل من القلق، تجري اتصالات روسية أمريكية حول الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا، ولكن حبل التفاؤل يظل قصيراً بسبب التأزم الشديد بين موسكو وواشنطن، وتبادل فرض العقوبات، وإحياء التحالفات على امتداد خريطة العالم، كأن الجميع يستعدون للحرب. ومع استبعاد فرضية اندلاع مواجهة شاملة لاعتبارات جيو سياسية ولتعقيدات المشهد الدولي، فإن احتمال الاحتكاكات العنيفة تظل واردة، فأوكرانيا تريد أن تبعث برسالة إلى موسكو فحواها أنها لن تكون وحدها إذا حدث الأسوأ، خصوصاً في ظل تغير اللهجة الأمريكية مع إدارة بايدن، وتناغمها مع مواقف العواصم الأوروبية الكبرى التي تريد مجتمعة أن تكثف الضغط على موسكو لتحقيق بعض المكاسب. ولكن في المقابل يبدو أن الروس مستعدون جيداً لمثل هذه اللحظات الحاسمة. 
 ولا يتعلق الاستعداد بهذه المناورات المثيرة للجدل والتقليدية بالنسبة إلى الجيش الروسي، بل باستراتيجية متكاملة بدأت منذ سنوات، وعبّر عنها عنها الرئيس فلاديمير بوتين، في أكثر من مناسبة، سواء خلال استعراض أسلحة جديدة فائقة التطور، أو إطلاق المشاريع الاقتصادية والعلمية الطموحة، أو عبر تقاربه المثير للريبة الغربية مع الصين.
 الأزمة الجارية بين روسيا وأوكرانيا، والتدخل الغربي فيها، لن تثير كثيراً من الفزع، ولكنها لحظة حرجة، ومناسبة أخرى يحدث فيها احتكاك حاد بين القوى العالمية الكبرى، وهي أقرب إلى الأزمة بين بكين وواشنطن في بحر الصين الجنوبي. وكلتاهما تحمل معالم ولادة العالم الجديد الذي لم يعد يعترف بالقطب الواحد، أو الإرادة الواحدة، وإنما يتجه إلى التشكل وفق معايير جديدة للقوة والنفوذ. فكل أزمة تندلع هي جزء من المعركة العالمية الشاملة التي تخاض في أكثر من موقع وجبهة، ومهما تعالت التحذيرات من تداعياتها السيئة، إلا أنها مفيدة وبنّاءة في هذه المرحلة طالما ظلت تحت السيطرة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yfes49oe