عادي

ميانمار ضحية انقسام العالم

23:29 مساء
قراءة 4 دقائق
1

كتب - المحرر السياسي:

تتصاعد حدة المواجهات في ميانمار بين الانقلابيين العسكر والمحتجين، ويسود العنف المشهد في تكرار بات مألوفاً في غير مكان من العالم وسط انكماش مقدرات الدول الصغيرة بفعل كورونا وتبعاته، والفوضى السياسية الراهنة في غياب قيادة تفرض نفسها على عالم اليوم المشتت بين جدوى الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي وطغيان الأنظمة المستبدة.

في خضم هذا الواقع المربك تعكس الأزمة في ميانمار صورة أخرى من صور البؤس الناتج عن القمع وقلة الحيلة والتدخلات الأجنبية التي غالباً ما عقدت مشاكل دول غير ميانمار، حتى باتت عصية على الحل، أو أن الحل فيها مرهون بتوافق القوى الأجنبية الفاعلة كما هو الحال في سوريا وليبيا.

 وبعد أن حصد قمع الانقلابيين أكثر من 500 من أرواح المحتجين حتى الآن وسط إدانات دولية يومية، لا يزال العالم يدرس الحالة ويقدم اقتراحات عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما عداد الخسائر في الأرواح لا يكف عن الدوران.

وفي أحدث تطورات الوضع في ميانمار أصدر مجلس الأمن الدولي، قراراً شديد اللهجة كعادته عندما لا يملك القدرة على الفعل، دان فيه بشدة مقتل مئات المدنيين بينهم نساء وأطفال.

 فشل المجتمع الدولي

ويعكس الخلاف الذي استمر على مدى يومين؛ حيث طالبت الصين بتعديل نص البيان الذي تقدمت به بريطانيا التي كانت تستعمر ميانمار سابقاً. وقد تم تعديل النص من أجل ضمان تمريره، خاصة أن روسيا أيضاً كانت لها شروط على مضمون البيان؛ حيث أرادت الإشارة إلى مقتل عسكريين أيضاً في المواجهات.

 وبغض النظر عن طلب كل دولة عضو فإن مجلس الأمن يعكس عجز المجتمع الدولي حالياً عن حسم أي قضية عالقة على مستوى العالم ومنها الانقلاب العسكري في ميانمار الذي أعلن منفذوه عن وقف إطلاق النار من طرف واحد، وقال بيان المجلس العسكري إنه سيواصل الرد على التحركات التي تعطل أمن البلاد وعمل المؤسسات.

 ويبدو أن وقف إطلاق النار يشير إلى الإجراءات المتخذة ضد الجماعات العرقية المسلحة؛ حيث تصاعد القتال منذ استيلاء المجلس العسكري على السلطة في 1 فبراير/شباط2021. ودعا البيان، الذي بثه تلفزيون «إم آر تي» في ميانمار، الجماعات المسلحة العرقية إلى الحفاظ على السلم الأهلي، مؤكداً أن الجيش سيعلق عملياته من جانب واحد بدءاً من الأول من إبريل/نيسان وحتى نهاية الشهر.

 مواجهات دموية

 ويملأ المتظاهرون المؤيدون للديمقراطية الشوارع في ميانمار بشكل متكرر منذ ما يقرب من شهرين احتجاجاً على اعتقال الزعيمة المنتخبة أونغ سان سو كي ومسؤولين حكوميين بارزين. 

وشهد رد القوات الأمنية إطلاق النار على مدنيين عزل في الشارع، واعتقالات تعسفية ومداهمات ليلية لمنازل من يشتبه في أنهم من أعضاء المعارضة. وشهدت نهاية الأسبوع الماضي أعنف حملة قمع دموية حتى الآن؛ حيث قتل ما لا يقل عن 114 شخصاً في يوم واحد.

 ووسط تصاعد المواجهات يشن الجيش غارات جوية في ولاية كارين، ما أجبر آلاف السكان على الفرار إلى الأدغال والدول المجاورة.

ويسيطر حزب اتحاد كارين الوطني على العديد من القرى المستهدفة، وهي جماعة عرقية مسلحة تسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في المناطق الحدودية. وهذا الحزب هو واحد من العديد من الجماعات العرقية المسلحة التي خرجت لدعم الاحتجاجات وإدانة الانقلاب العسكري. وقد حذرت المبعوثة الخاصة لميانمار كريستين شرانر برجنر، مجلس الأمن الدولي من حمام دم وشيك، وحثت المجتمع الدولي على التدخل داعية إلى نبذ الخلاف واتخاذ موقف حاسم.

 مطالب المعارضة

 ونبذ الخلافات هو مربط الفرس. فقد تحول المشهد في ميانمار إلى نسخة مكررة مما يجري في مناطق ساخنة أخرى؛ حيث ينتقل القرار من يد أهل البلاد إلى يد القوى التي تدعم الفصائل المتنازعة. وفي ظل عجز القوى الوطنية عن الحل تبدأ موجة الاتهامات وتلميع الشعارات كل حسب ميوله.

 ويطالب أنصار الديمقراطية المجتمع الدولي بحماية شعب ميانمار من الجيش، وتقديم المساعدة لجميع المحتاجين، وإعلان منطقة حظر طيران لمنع الغارات الجوية في المستقبل، وتشديد العقوبات وتجميد الحسابات المصرفية العسكرية، وفرض حظر فوري على الأسلحة، ووقف الاستثمار الأجنبي المباشر.

وتعكس مواقف الأطراف في مجلس الأمن حالة الشد والجذب بين مؤيدي الديمقراطية المفترضين من دول الغرب الذين مارسوا ضغوطاً لاتخاذ المجلس قراراً بشأن الأزمة، وبين الدول الفاعلة على الأرض وفي مقدمتها الصين. فقد اكتفى سفير الصين لدى الأمم المتحدة تشانغ جون بإدانة إراقة الدماء في ميانمار وهذا موقف تمليه الضرورات الأخلاقية، كما حث المجتمع الدولي على تكثيف الجهود الدبلوماسية وتشجيع الأطراف على تضييق الخلافات من أجل إيجاد مخرج، وهذا يأتي ضمن أدبيات العمل الدبلوماسي. لكن الأهم في موقف جون هو تمسك بلاده باعتراضها على أي إجراء أشد ضد العسكريين.

وقال جون في بيان منفصل إن الضغط من جانب واحد والدعوة لفرض عقوبات أو إجراءات قسرية أخرى لن يؤدي إلا إلى تفاقم التوتر والمواجهة وزيادة تعقيد الموقف، وهو أمر غير بناء بأي حال من الأحوال.

 وبينما ينشغل العالم ممثلاً في قواه الكبرى بما يرى أنه أهم وأكثر إلحاحاً من انقلاب ميانمار وعودة الديمقراطية إليها، وفي مقدمتها التوترات المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، والتصعيد الأمريكي ضد روسيا، أو حل معضلة أفغانستان، والقائمة تطول، يصبح ترحيل أزمة ميانمار إلى الدرجة الثانية والثالثة من الأهمية على قائمة الأزمات العالمية أمراً مبرراً.

 جبهة مواجهة

 ومن المؤكد أن الانقلابيين في ميامنار يراهنون على مثل هذه المعطيات ويمعنون في قمع معارضيهم الذين سارعوا لتشكيل جبهة مواجهة منظمة يقودها برلمانيون مخلوعون في كل من إقليم بييداونغسو وهلوتاو، تستقطب المزيد من المعارضين وتهدد بتصعيد المواجهات مع الانقلابيين في معركة مفتوحة قد يكون حسمها لأي من الطرفين مستحيلاً ما لم يتوصل العالم إلى توافقات تفتح الباب أمام حوار وطني يفضي إلى تسوية.

 من جانبه اعتبر النظام العسكري تشكيل الجبهة خيانة عظمى بموجب الدستور، وحذر أعضاءها والمتعاونين معهم من تعرضهم لعقوبات رادعة، ليستمر السجال ومعه دوامة العنف إلى أجل غير مسمى.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ygqovng4