عادي

نحو «المشرق الجديد»

23:34 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. أحمد سيد أحمد *

جاء الاجتماع الأخير لوزراء خارجية مصر والعراق والأردن في بغداد الثلاثاء 30 مارس/ آذار الماضي في إطار التعاون الثلاثي والذي يشكل أهمية كبيرة في ضوء تداعياتها على الدول الثلاث وعلى المنطقة العربية، والعمل العربي المشترك. فهذا الاجتماع جاء في سياق الاجتماعات واللقاءات الدورية التي دشنتها القمة الثلاثية التي عقدت في القاهرة في مارس 2019، والتحضير للقمة الرابعة القادمة لقادة الدول الثلاث، التي تضم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

اللقاءات الدورية الوزارية سواء لوزراء الخارجية أو لوزراء الاقتصاد والتجارة وغيرهم من الدول الثلاث؛ تأتي في سياق المتابعة الدورية لمخرجات قمة القادة ال3، خاصة قمة عمان في أغسطس/ آب 2020 والتي وضعت إطاراً مهماً للتعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث في كافة المجالات، خاصة المجالات الاقتصادية، وترجمة تلك المخرجات إلى قرارات وخطوات على أرض الواقع؛ وهو ما يمثل إطاراً مؤسسياً لتراكم وتطور تلك العلاقات بأبعادها المختلفة.

فعلى المستوى الاقتصادى، هناك مصالح مشتركة بين الدول الثلاث في تطوير وتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية؛ فحجم التبادل التجاري بين مصر والعراق ارتفع من 800 مليون دولار عام 2015 إلى 1.6 مليار دولار عام 2019 قبل أن يتراجع في عام 2020؛ بسبب جائحة كورونا، كما أن التبادل التجاري بين مصر والأردن يصل إلى حدود 900 مليون دولار في عام 2019؛ لذلك فإن حجم التبادل التجاري بين الدول الثلاث لا يتناسب إطلاقاً والإمكانات الاقتصادية والفرص الاستثمارية الكبيرة والعديد التي تتمتع بها البلدان الثلاث، وتشكل منطلقاً مهماً ويمكن توظيفها في تنمية العلاقات بينها، خاصة أن الدول الثلاث تضم 150 مليون نسمة بما تشكل سوقاً استهلاكية كبيرة لمنتجاتها، كما أن كل دولة لديها من المزايا النسبية التي تسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي بينها وليس المنافسة، فالعراق لديه قدرات كبيرة في مجال الطاقة وكذلك الزراعة ومصر والأردن لديهما مزايا نسبية في مجال العنصر البشري والخبرات التكنولوجية والقدرات في مجالات البنية التحتية وغيرها.

 الاعتماد المتبادل 

 الاعتماد المتبادل يمثل مدخلاً مهماً للتقارب وتطوير العلاقات بين الدول الثلاث، فالأردن يعتمد بشكل كبير على استيراد النفط من العراق، والذي تأثرت إمداداته؛ بسبب الحرب على «داعش» وتأثر آبار إنتاج النفط في العراق خلال الأعوام الأخيرة؛ لذلك فإن مشروع إقامة خط نفط من البصرة إلى العقبة؛ يمثل أحد المشروعات المهمة بين البلدين. في المقابل يحتاج العراق إلى الدور المصري والأردني في عملية إعادة إعمار العراق، بعد الحرب على «داعش» وتهدم الكثير من المدن العراقية، وهنا يبرز دور مصر والأردن في تحديث البنية التحتية العراقية كذلك في مجالات الصحة والكهرباء وغيرها من المجالات التي تحظى فيها مصر والأردن بمزايا نسبية. وقد شهدت الأعوام الأخيرة توقيع العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقات بين مصر والعراق في إطار اللجنة العليا المصرية العراقية في مجالات: البنية التحتية والصحة والدواء والكهرباء والطرق والتكنولوجيا والاتصالات والإسكان والبيئة وغيرها.

 وتعتمد مصر على العراق في مجال الطاقة، كذلك يمثل العراق بيئة مواتية للاستثمارات المصرية والأردنية، في المقابل فإن المشروعات القومية العملاقة التي تقيمها مصر وأبرزها محور التنمية في قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها؛ تمثل بيئة جاذبة أيضاً للاستثمارات العراقية والأردنية؛ لذلك فإن من منظور المصلحة والفوائد الاقتصادية؛ فإن التعاون الاقتصادي عبر الآلية الثلاثية بين الدول الثلاث يحقق فوائد اقتصادية مهمة لها؛ وهو ما ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة شعوب الدول الثلاث ويسهم في مواجهة مشكلات الفقر والبطالة التي تعانيها، وتخفيف التداعيات السلبية لجائحة كورونا على الدول الثلاث.

 المشرق الجديد

 يدشن التعاون الثلاثي المصري العراقي الأردني ما يعرف بالمشرق الجديد، والذي يعد نواة مهمة للتعاون العربي المشترك، ففي ظل تعثر العمل العربي المشترك في العقد الأخير؛ بسبب المتغيرات السلبية العديدة التي شهدتها المنطقة العربية من اندلاع الحروب والنزاعات الأهلية والأزمات السياسية والتدخلات الخارجية، واستنزفت مواردها وأدت إلى تدمير البنية الأساسية في بعض الدول العربية، إضافة إلى ملايين الضحايا من القتلى والجرحى واللاجئين والمهاجرين، فإن الآلية الثلاثية تمثل بارقة أمل ومنعطفاً إيجابياً في اتجاه تعزيز العمل والتعاون العربي المشتركين؛ حيث يمكن أن تشكل نواة لسوق عربية مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشترك، فهذه الآلية الثلاثية يمكن أن تنضم إليها دول عربية أخرى في المستقبل، وبما يسهم في استثمار الموارد البشرية والطبيعة العربية الهائلة، وتسهم في ارتقاء مستوى معيشة شعوب المنطقة.

 تداعيات استراتيجية 

 لا شك أن تعزيز التعاون الاستراتيجي بين مصر والعراق والأردن يؤدي إلى نتائج مهمة ليس فقط على الدول الثلاث؛ بل على المنطقة العربية أيضاً، فمن ناحية فإن هذا التعاون يسهم في خروج العراق من أزماته المتكررة؛ بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والتدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية على الساحة العراقية، كما أنه يسهم في عودة العراق إلى بيته العربي.

 ومن ناحية ثانية، فهذه الآلية تسهم في حماية الأمن القومي العربي، والمحافظة على ما تبقى من النظام الإقليمي العربي الذي تعرض لهزات كبيرة؛ بسبب الصراعات والحروب والأزمات في المنطقة؛ وبسبب التدخلات الدولية والإقليمية في شؤون دول المنطقة، ما أدى إلى إطالة أمد الأزمات العربية وتعقدها؛ لذلك فإن هذه الآلية تسهم في تعزيز وتعظيم الدور العربي في إدارة أزمات المنطقة، والعمل على تسويتها سلمياً في إطار المحافظة على الدولة الوطنية العربية، وبما يحقق مصالح الشعوب العربية التي عانت؛ بسب هذه التدخلات والأزمات.

 ومن ناحية ثالثة، فإن هذه التعاون الاستراتيجي الثلاثي؛ يمثل أهمية كبيرة في تنسيق المواقف العربية في دعم القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إضافة إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية بين الدول العربية، خاصة بين الدول الثلاث ودول الخليج العربي؛ وهو ما يمثل بناء تحالف عربي قوي اقتصادياً وسياسياً بما يعزز الأمن القومي العربي.

على الرغم من التحديات والأزمات التي تعانيها المنطقة العربية والمشكلات التي تواجهها الدول الثلاث، خاصة في المجال الاقتصادي ومواجهة تداعيات جائحة كورونا، فإن المشرق الجديد من شأنه أن يعزز التنمية الشاملة والمستدامة في الدول الثلاث.

* خبير العلاقات الدولية في الأهرام

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yzs3tcb7