التقدم وشرعية الدولة

00:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

منذ القرن السابع عشر، يجادل مفكرو علم الاجتماع السياسي حول شرعية الدولة، بوصفها مدخلاً رئيسياً لاستقرار النظام السياسي، وما يستتبعه من استقرار في النظام الاجتماعي، والثابت في مختلف النظريات السياسية أن الاستقرار الاجتماعي هو أحد الأهداف الرئيسية لأي نظام سياسي، وبالتالي فإن أي نظام سياسي مطالب بامتلاك أو توليد الشرعية، ليكون قادراً على تحقيق مستوى مقبول ومستدام من الاستقرار الاجتماعي، والذي ينطوي بدوره على إتاحة الفرصة لإحداث استقرار في النظام الاقتصادي.
 تطوّر نظريات الفكر السياسي حول شرعية الدولة لم يكن مسألة فكرية معزولة عن حركة الواقع والتاريخ؛ بل كان تطور هذه النظريات استجابة فعلية للمتغيرات عبر محطات عديدة شهدها العالم، بعد توقيع اتفاقية وستفاليا في عام 1648، والتي أرست مبدأ «سيادة الدولة»، وهو أحد مبادئ شرعية الدولة، وقد تعامل المفكرون الاجتماعيون مع مفهوم شرعية الدولة من خلال جانبيه الوصفي والمعياري؛ حيث إن الجانب الوصفي للمفهوم يناقش في شرعية الدولة ونظامها السياسي عبر تحديد أصل الدولة ذاتها، من حيث رسوخها في التاريخ، أو كاريزما الحاكم، أو تحقيقها لسيادة القانون.
 لكن الجانب المعياري من مفهوم شرعية الدولة شهد خلافات فكرية وسياسية حادة وعميقة بين المفكرين والمنظرين الذين اعتبروا أن مبدأ شرعية الدولة ينبغي أن يكون مرتبطاً بعوامل معيارية محددة؛ حيث يجب أن تكون الشرعية قابلة للقياس والتحقق منها، ولهذا فقد طُرحت عوامل معيارية عدة، من مثل العدالة، واحتكار العنف في المجتمع، وتحقيق الالتزامات الرئيسية تجاه الشعب، وغيرها من العوامل التي يمكن إلى حد كبير التعرّف إليها عبر مؤشرات كمية ونوعية.
 في الجانب المعياري نفسه، طُرحت آراء ذات صلة بارتباط الدولة بالمؤسسات الدولية، تعتبر أن وجود دولة ما في مؤسسة دولية، مثل الأمم المتحدة، بمثابة عامل شرعية معياري ضروري لأي دولة؛ إذ لا يمكن الاعتراف بأي دولة من دون أن تكون عضواً في مؤسسات الأمم المتحدة، وأمام تعدد العوامل المعيارية الداخلية والخارجية لشرعية الدولة، فقد ظهرت محددات معيارية عامة، تشتمل على معايير داخلية وخارجية في الوقت ذاته؛ حيث اعتبر أن إخفاق أي دولة في تحقيق هذه العوامل المعيارية بمثابة فشل للدولة، وهو ما أصبح يعرف اصطلاحياً باسم «الدولة الفاشلة»، والتي تجمع بين نقص السيادة على حدودها، وعدم القدرة على احتكار العنف، وخروج جزء من أراضيها من نطاق تحكم الدولة المركزية، وتراجع السلم الاجتماعي فيها.
 وأمام هذا التعدد في العوامل المعيارية الحاكمة لشرعية الدولة، برزت أسئلة مختلفة، تشكّك في هذه العوامل نفسها، فعلى سبيل المثال، توجد العديد من الدول المستقرة، والتي تمتلك سيادة كاملة على أراضيها، وتحتكر حكوماتها المركزية العنف، وهي جزء من المؤسسات الدولية، لكنها في ذات الوقت تتراجع في مؤشرات التقدم، والتي تشتمل على عدد من المجالات. فمؤشر التقدم لم يعد مؤشراً اقتصادياً محضاً؛ بل يطال ما بات يعرف ب«جودة الحياة»، كما أن استقرار المجتمع لم يعد بحد ذاته عاملاً تقدمياً على الدوام؛ بل أصبح في بعض الحالات دليلاً على غياب الحيوية، ونقص فعاليات مؤسسات المجتمع المدني، أو نقص الحريات العامة.
 اكتسب التقدم، بوصفه عاملاً معيارياً في شرعية الدولة والنظام السياسي، مكانة أكبر مع نهاية الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فقد كانت الكثير من الأنظمة السياسية تأخذ شرعيتها من الصراع القائم بين المنظومتين الغربية والشرقية، وزادت أهميته مع منجزات وتحديات عصر التقانة والمعلومات؛ إذ إن استقرار النظام السياسي/الاجتماعي أصبح مرهوناً بشكل كبير بمدى تحقيق الدولة للتقدم على مختلف الصعد، وقد شهدت العقود الأخيرة حالات تفكك لدول، أو دخولها في حالة من الفوضى، نتيجة تراجع مؤشرات التقدم، ووصولها إلى مستويات متدنية قياسية.
 في جائحة كورونا، ظهر نقاش كبير في الدول الغربية، طال شرعية النظام السياسي/الدولة، بعد أن أخفقت الكثير من تلك الدول في تحقيق استجابة سريعة في التعامل مع الجائحة؛ بل كشفت المعطيات عن تراجع كبير، وإهمال أحياناً، للنظام الصحي، ووُجهت اتهامات واسعة للحكومات وأحزابها بغياب الفاعلية، ونقص الالتزام تجاه المواطنين، وهي اتهامات تطال في الصميم مبدأ الشرعية. فالفاعلية السياسية والبيروقراطية، ومبدأ التزام الدولة تجاه مواطنيها، هما مسألتان ترتبطان بمبدأ الشرعية، لكنهما في الوقت ذاته مرتبطان بالتقدم، وبناء عليه، فإننا أكثر فأكثر نتجه إلى تعميق مبدأ التقدم، بوصفه أحد أهم العوامل الأساسية في قياس شرعية الدولة، ومدى فاعلية نظامها السياسي، كما أصبح بالإمكان التنبؤ بمستقبل الدول، انطلاقاً من مدى تحقيقها لعوامل التقدم.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yh8ps96f