المسألة الأوكرانية

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

ما زالت قيادة «الناتو» تقف على منتصف المسافة بين الدعم العسكري المباشر، وسياسة احتواء التحدي الروسي، وما زال الرئيس الأوكراني يناور للحصول على غطاء عسكري وسياسي غربي، وما زالت روسيا تمارس لعبة عض الأصابع، بينما تستمر الأزمة في مراوحة مكانها من دون أن تشكل خطراً كبيراً على الاستقرار العالمي.

وكما يحدث عادة في نوعية النزاعات التي تضم أطرافاً متعددة ومصالح متضاربة، وتوازنات دقيقة، عسكرية وجيوسياسية، فإن القضية مثار الخلاف تتحول بعد فترة من الزمن إلى سوق مفتوح للمزايدات والاستثمار السياسي والمقايضة المجدية التي تحفظ المصالح وتتفادى الضرر.

وبالنظر إلى هذه القضية على وجه الدقة، فإن المصالح الروسية تتلخص في إقناع الغرب بالاعتراف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، مع إبعاد نفوذ الحلف الأطلسي عن حدودها، بمعنى أن تتحول أوكرانيا إلى منطقة محايدة أو إلى حاجز طبيعي يجعل قوات «الناتو» بعيدة آلاف الأميال عن التماس مع حدودها. وتضم قائمة المصالح الروسية أيضاً  وإن بدرجة أقل  منح السكان ذوي الأصول الروسية في مناطق النزاع الحالية، نوعاً من الحكم الذاتي الموسع.

وفي سبيل فرض هذه الشروط على الطاولة، فإن القيادة الروسية تُبقي شبح الحرب قائماً عبر تحركاتها العسكرية الضخمة، لكنها في الوقت نفسه، تنفي أية نوايا عدوانية، ويستخدم زعماؤها لهجة ناعمة في مخاطبة مخاوف القيادة الأوكرانية والدول الغربية إزاء استعدادها لإشعال الحرب.

الاتحاد الأوروبي من جانبه، يسعى إلى ضم أوكرانيا إلى عضويته، حتى تتوسع الرقعة الأوروبية جغرافياً وسياسياً وعسكرياً، عبر ضمها أيضاً إلى عضوية الحلف العسكري الغربي، لكنه ليس مستعجلاً لإكمال هذه الخطوة ولا يرغب أيضاً في استفزاز الدب الروسي ودفعه إلى القيام بخطوة متهورة قد تقود إلى نتائج لا تحمد عقباها؛ لذلك، فإن الاستراتيجية الأوروبية تتسم بالحذر الشديد، وتحاول موازنة المخاوف المحتملة مع المصالح الممكنة، فهي لا تبحث عن الحسم، لكنها تبحث عن الحل الوسط.

هذه الاستراتيجية تجد مقاومة شديدة من قبل الرئيس الأوكراني الحالي زيلينسكي، والسابق بترو بوروشنكو، فأوكرانيا هي المعنية مباشرة بهذا النزاع المربك، وهي المهددة بالتقسيم ولا تشعر بالارتياح لبقائها على حدود جار كبير يتفوق عليها في كل شيء. وبالنسبة للقيادة الأوكرانية، فإن مسألة انضمامها إلى حلف «الناتو» تشكل قضية حياة أو موت. 

وانطلاقاً من هذا الدافع الذي لا يقاوم، دخلت أوكرانيا لعبة الحرب وقرع طبولها والتهديد بنشوبها حتى تقنع الحلفاء بتسريع خطواتهم.

أما اللاعب الأكثر أهمية في هذا الصراع المحتدم (الولايات المتحدة)، فإن مبدأ وجود منافسين في الأساس يسبب له قلقاً، علاوة على التاريخ الطويل من العلاقات المتوترة مع روسيا. وبالتالي، فإن وجودها في منطقة النزاع يمثل امتداداً للسياسة الأمريكية الهادفة إلى المحافظة على النظام الدولي بتفاصيله المعروفة.

وهي أيضاً تدخل لعبة الاستثمار في الحرب مثلها مثل الأطراف الأخرى، سعياً وراء الحصول على تنازلات معينة يمكن أن تعيد ترتيب الأمور حسب رؤيتها هي، بما لا يتعارض مع مصالحها الكونية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ydnlfq46