عادي

«النووي الإيراني» على نار حامية

23:51 مساء
قراءة 4 دقائق
1

كتب - المحرر السياسي

سجال مفاوضات الملف النووي الإيراني الذي يشغل العالم هذه الأيام، يحمل في ثناياه مؤشرات عديدة على تغيرات باتت واضحة لكل ذي بصيرة، في فلسفة سياسات الدولة العظمى وقيادتها للعالم، وفي منظومة الأولويات الدبلوماسية التي تحكم صنع القرار في واشنطن على وجه الخصوص.

بقدر ما كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القاضي بالانسحاب من اتفاقية 5+1 عام 2018، محط استهجان في العلاقات الدولية بررته يومها، «مزاجية» سياسة الرئيس، يثير اليوم حرص الإدارة الجديدة على استرضاء إيران بالعودة إلى الاتفاق مجموعة من الأسئلة حول ذلك الحرص والدوافع التي تجعل الإدارة الجديدة التي تسعى حثيثاً لاستعادة قيادة العالم، حريصة على التهدئة مع دولة تصفها بأنها «مارقة».
 ورغم شح المعلومات، هناك تحركات لافتة على صعيد الملف النووي الإيراني سواء منها ما تعلق بدعم كل من روسيا والصين جهود عودة واشنطن للاتفاق، أو الدفع الأوروبي المعلن بكل قوة لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن خدمة لمصالح أوروبية لا تخفى. وتقرع معارضة إسرائيل الشديدة للمفاوضات كل أجراس الإنذار بلا كلل، بينما يهدد رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو بتغيير قواعد اللعبة بعد الهجوم الأخير على مفاعل نطنز الذي تشير أصابع الاتهام فيه إلى الموساد.
 محادثات بناءة
 وكان الاتحاد الأوروبي قد أصدر بياناً في ختام الجولة الأولى من اجتماعات فيينا الأسبوع الماضي جاء فيه أن «اللجنة المشتركة اطلعت على ملخص الجهود التي بذلتها فرق الخبراء حول رفع العقوبات وإجراءات تطبيق الاتفاق النووي، ونوّه المشاركون بالمحادثات البناءة التي تسعى نحو تحقيق نتائج».
 وأعلن نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن بلاده وافقت على إجراء محادثات مع الشركاء الأوروبيين والروس والصينيين بشأن تحديد القضايا المرتبطة بالعودة للالتزام بالاتفاق النووي. وأضاف برايس في بيان خاص: «لا نزال في المراحل الأولى ولا نتوقع انفراجة فورية لأننا أمام مناقشات صعبة، لكننا نعتقد أن هذه خطوة مفيدة،على الرغم من أن الولايات المتحدة تبقى منفتحة على الأمر».
 ولكن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف شدد على وجوب رفع كافة العقوبات التي فرضت على طهران من جانب إدارة ترامب السابقة.
 وفور بدء أعمال الاجتماع، نقلت وكالة فارس للأنباء عن عباس عراقجي مساعد وزير الخارجية الإيراني قوله بأن أيّ تحرك أمريكي لمعاودة الانضمام إلى الاتفاق النووي المبرم مع القوى العالمية لا يستلزم أي محادثات.
 ويؤكد هذا التصريح مجدداً إصرار إيران على ضرورة اتخاذ الولايات المتحدة الخطوة الأولى لرفع العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة.
 اجتماع الخبراء
وقد اتفقت الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق وهي إيران وبريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا، على تشكيل فريقين على مستوى الخبراء، تكون مهمتهما الموازنة بين قائمة العقوبات التي يمكن للولايات المتحدة رفعها، وبين وفاء إيران بالالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي.
 وقال ميخائيل أوليانوف السفير الروسي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عقب الاجتماع أنّ «الأمور تسير بالاتجاه الصحيح»، كانت المناقشات جدية وسوف تستمر. الانطباع الذي لدينا هو أننا على المسار الصحيح لكن الطريق لن يكون سهلاً وسيحتاج إلى مزيد من الجهود المكثفة، وتبدو كل الأطراف المعنية مستعدة لذلك».
 وأياً كانت نتيجة تلك الجهود فإن قرار طهران الأخير باستخدام أجهزة طرد مركزي متطورة قادرة على تسريع تخصيب اليورانيوم، وتدشينها في حفل معلن بحضور الرئيس محمد روحاني، له دلالاته فيما يخص موقف إيران علناً في ظل المفاوضات.
ويجد المتأمل في هذه المعاملة الجديدة التي تحظى بها إيران أدلة كثيرة على أن العلاقات بين الدول تحكمها المصالح ولا تجدي معها العواطف. فالأمريكيون الذين يصبون جلّ اهتمامهم على كبح التوسع الصيني يدركون جيداً أهمية إيران في هذه المعركة، بعد أن أبرمت الأخيرة اتفاقاً استراتيجياً مع بكين مدته 25 عاماً يخدم الطرفين في المواجهة التي باتت أمراً واقعاً مع واشنطن.
 وبدا واضحاً أن الأمريكيين الذين كانوا يفرضون شروطهم قبل كل مفاوضات،أصبحوا أكثر استعداداً للقبول بالشرط الإيراني وهو رفع العقوبات قبل التفاوض المباشر، في تخل صريح وواضح عن خطة التقارب التدريجي المعلنة سابقاً.
 وقد غطت سماء مفاوضات فيينا سحابة من التفاؤل نهاية الأسبوع الماضي عندما أعلن عن احتمال استئناف المفاوضات هذا الأسبوع، ما يؤكد أن واشنطن باتت مستعدة للعودة إلى الاتفاق مع احتمال القبول بضم ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى الملف النووي، أي إزالة واحدة من العقبات الرئيسية في وجه عمليات التفاوض غير المباشر. وقد أكد روحاني في كلمته الأخيرة في نطنز أن من أهم نتائج الاتفاق النووي، إضفاء الصفة القانونية بشكل كامل على الصناعات النووية الإيرانية.
وقالت مصادر وفدي الاتحاد الأوروبي وروسيا إن الأسبوع الأول من المحادثات كان بناءً. لكن واشنطن وطهران اختلفتا حول أي من العقوبات المفروضة على إيران يمكن رفعه في حال استأنفت الأخيرة التزامها ببنود الاتفاق النووي.
 استعداد إيراني للتراجع
 وتقول إيران إنها مستعدة للتراجع عن كل الخطوات التي اتخذتها منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، بعد أن ترفع واشنطن كل العقوبات عنها. ويبدو أن طهران متيقظة للمحاولات الإسرائيلية التي ترمي إلى تعطيل المفاوضات بأي ثمن. وقد قال وزير خارجيتها في اجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني بعد حادثة نطنز يوم الأحد الماضي إن إيران لن تقع في الفخ مرتين، وإن إسرائيل لن تفلت من الحساب.
 لكن ما صدر عن الحكومة الإيرانية من تصريحات بعد انتهاء جولة المفاوضات الأولى يخفي حقيقة الشعور بنشوة النصر في وقت تحظى فيه طهران باهتمام كل الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية. فقد جاء في تصريح لمصدر مسؤول بثته محطة تلفزيون «برس تي. في» الحكومية الإيرانية؛ أن إيران سترفض أي محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة أو الرفع التدريجي للعقوبات.
 وربما يتساءل المرء عن سعي إدارة بايدن الحثيث لإنهاء ملف العودة الأمريكية إلى الاتفاق رغم أن الخطوة تمثل انتكاسة للموقف الأمريكي الذي حددته إدارة ترامب. والحقيقة أن بايدن ليس لديه الكثير من الوقت يبدده على مشاكل المنطقة في الوقت الذي يحث الصين خطى التحالفات مع روسيا ودول الآسيان لتفويت الفرصة على الإدارة الجديدة في استكمال حلقات الحصار المراد فرضه على بكين. من هنا من المرجح التغافل عن كل ما يعرقل الاستمرار في التفاوض وتجنب الخلافات الجزئية بغية إلزام طهران بمنظومة الانضباط الدولي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ydr4rppj