عادي

سلطة الدولة لازمة لتنظيم المجتمع وإدارة شؤون أفراده

فقه الدولة
23:13 مساء
قراءة 4 دقائق
1

تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.

والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.

الدولة في الفقه الإسلامي، كما يعرّفها د.عبدالحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر بالقاهرة، هي مجموعة من الأفراد أغلبهم من المسلمين، يقطنون إقليماً معيناً، ويخضعون لسلطة تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية وتعمل غالباً على تطبيقها. ويوضح منصور أن البعض عرّف الدولة بأنها شعب يستقر في أرض معينة ويخضع لحكومة منظمة، وأنه بالمقارنة بين تعريف الدولة في الفقهين الإسلامي والوضعي، يتضح أن كلاً منهما انطوى على مجموعة من العناصر لا غنى عنها لقيام الدولة بالمعنى الصحيح.

يقول د.عبدالحليم منصور: العنصر الأول هو الشعب الذي يتألف من مجموعة من المواطنين، سواء كانوا مسلمين، أو غير مسلمين، ولا يشترط كون الغلبة لإحدى الديانات على الأخرى، إذ الكل متساوون أمام القانون، على حد سواء. والعنصر الثاني: الإقليم أو الوطن أو الأرض التي يقيم عليها مجموع المواطنين، والعنصر الثالث الحكومة أو السلطة السياسية التي تدير مصالح هذا الشعب. 

وبهذا نجد أن الفقه الإسلامي والقانون الوضعي متفقان تماماً في بيان مفهوم الدولة، والتاريخ الإنساني عرّف مفهوم الدولة على أركانها الثلاثة: الشعب، والإقليم، والسلطة، مع اختلاف ثقافة العصر، وشكل الدولة، وآليات الحكم.

1

ويشير إلى أن آيات القرآن الكريم تتحدث عن الوطن الذي تقوم عليه الدولة مستخدمة لفظ الأرض، فقال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الآية 33- سورة المائدة. وعرّف الإسلام نظام الحكومة التي تدير شؤون المواطنين وترعى مصالحهم، وأمر الحق سبحانه وتعالى بطاعة ولى الأمر، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) الآية (59) سورة النساء. 

ويؤكد منصور أن الحكم والسلطة ظاهرة ضرورية للاجتماع البشري، فحين يكتمل النظام الاجتماعي تبدو الحاجة ملحّة إلى وجود سلطة تنظم المجتمع، وتدير شؤون الأفراد، وتسيّر أمورهم تحقيقاً للانسجام في تركيب المجتمع، والتوافق في العلاقات الاجتماعية والنظام داخله، ليصبح مجتمعاً سياسياً بقيام السلطة، وأن يكون هناك حاكم أعلى لإدارة شؤون المواطنين، وتصريف أمورهم.

ويضيف:الإسلام لم يشرّع لنا نظاماً معيناً للحكم، وإنما هو متروك للناس بما يتفق وظروفهم ورغباتهم، وهو من الأمور الاجتهادية التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، ومن ثم يجوز للمسلمين أن يختاروا أشكالاً للحكم توافق ظروفهم ما دامت تحقق مبادئ الإسلام العليا في المجتمع، وتتوافر فيها شروط تولى رئاسة الدولة التي نص عليها الدستور والقانون، والأمر المؤكد أنه ليس في الإسلام نظام محدد لاختيار الحاكم، ولذلك تتنوع طرق تنصيبه.

أوهام وأباطيل

يلفت  د.عبدالحليم منصور إلى أن الآونة الأخيرة شهدت ظهور جماعات الضلال التي تطلق على نفسها دولاً باسم الإسلام، وتزعم أنها دولة الخلافة، وغير ذلك من الأوهام والأباطيل التي تروج لها التنظيمات الإرهابية، التي تتخذ من العنف والقتل وحمل السلاح في مواجهة الآخر أسلوباً ومنهج حياة. ويشدد على أن هذه الجماعات والكيانات لا يمكن أن تسمى دولاً، إنما هي جماعات إرهابية خائنة، تعمل لمصلحة أعداء الأمة، ولا تمت للإسلام بصلة، لأن أتباعها أخلاط شتى تركوا أوطانهم وبلادهم، وجاؤوا تحت إغراء المال ليكونوا عوناً للأعداء، كما أن الأرض التي يقيمون عليها مغتصبة، وقواعد القوانين الدولية والإقليمية تجرم وتحرم اغتصاب أرض الغير.

ويؤكد أن الوصف الدقيق لأعضاء الجماعات الإرهابية أنهم كاذبون ومغتصبون وخوارج، يحاربون الله ورسوله ومعادون للإسلام وأهله، ويتخذون من القتل والعنف منهجاً ويعودون بالمجتمع إلى الجاهلية الأولى.

ويدعو جميع القوى الإقليمية والدولية إلى مواجهة هذه الكيانات الإرهابية ودحرها، ليعم الأمن والأمان المجتمعات الإنسانية، وكذلك دعم فكرة ومشروع الدولة الوطنية والوقوف خلف مؤسساتها، لمواجهة كل التحديات والعمل على كشف الجماعات الإرهابية التي تسعى لهدم الدول لتقوم على أنقاضها، كما أنها تستخدم الشائعات والأكاذيب لضرب استقرار المجتمعات ونشر الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن الواحد.

ويطالب بتوعية الشباب،إعلامياً ودينياً، بمخاطر هذه الجماعات الضالة،  لقطع الطريق على عناصر الكيانات الإرهابية ومنعها من السيطرة على عقولهم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjmjab2p