كتب: راشد النعيمي

حكاية الزراعة في الإمارات ملهمة تختصر كثيراً من معاني الإرادة والتصميم والعزيمة، والعمل المتواصل والتحدي؛ إذ كانت البلاد في انطلاقتها صحراء قاحلة تحيط بها الرمال من كل صوب، إلا من واحات متناثرة تسقى من مياه الأفلاج وأشجار برية لا إنتاج لها، لأن هذه الدولة الناشئة آنذاك تقع في قلب المنطقة الجافة في العالم. ورغم هذا الجفاف القاسي، تحولت الإمارات إلى دولة زراعية في بضع سنوات، بفضل العزيمة الصادقة والإرادة الصلبة للمغفور له المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ومتابعته لخطط التنمية الزراعية نجحت مشروعات زراعية مهمة، وانتشرت المروج الخضراء والحقول المثمرة والقمح والفواكه. كما نجحت الخطط الرامية لمكافحة التصحر ووقف زحف الصحراء، بزراعة الأحزمة الخضراء والغابات بين الرمال وفي أعماق الصحراء.

في السبعينات قرر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه،البدء بمشروع الزراعة في الإمارات، وعليه استدعى مجموعة من الخبراء والمهندسين العالميين وأخبرهم نيته في العمل على زراعة المحاصيل، وإنشاء الغابات والتوسع في زراعة النخيل وتأسيس الحدائق والمتنزّهات، وأن تصل الإمارات إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل. استقبل الخبراء هذا القرار ببعض الذهول والصدمة، فكيف لأرض قاحلة تشكو شحّ المياه أن تنتج محاصيل زراعية! وأخبروه بأن هذا الأمر مستحيل.

ورغم ذلك أصرّ على تحدي الصحراء والبدء بتنفيذه، وسخّر كل الإمكانيات لأجل هذا المشروع الذي رآه ممكناً، استخدم أحدث أساليب تهيئة الأرض وشبكات الري، ووفّر أجود أنواع الأسمدة، وأنشأت البيوت البلاستيكية، واستورد الشتلات والبذور، كما حرص على توعية الشعب بأهمية الزراعة ووفر لهم أراضي مجانية مع كل الإمكانيات ليباشروا العمل على مشروع الزراعة. نجحت الجولة في نشر الأراضي الخضراء، وزراعة النباتات والأشجار، والحصول على خيارات متنوعة من المحاصيل الزراعية، كما أثمرت جهوده في أن تبدأ الدولة بتصدير أجود أنواع التمور والرطب.

مستويات عالية 

اليوم أدركت الإمارات أن تطوير الزراعة وتحقيق مستويات عالية من الإنتاجية، خاصة في ظل الأحوال البيئية، سيكون هدفاً صعب المنال من دون تبني التكنولوجيا الحديثة لأنظمة الزراعة المغلقة، وابتكار تقنيات تسمح بزراعة المزيد من المحاصيل الزراعية، في ظل وجود كثير من الأبحاث العلمية والتطبيقية.

واعتمد مجلس الوزراء قرارات ومبادرات، جاء على رأسها إطلاق النظام الوطني للزراعة المستدامة الهادف إلى زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي في البلاد من المحاصيل الزراعية، وتحسين المردود الاقتصادي للقطاع، وزيادة الاستثمارات فيه. 

دعم وتسويق

منظومة متكاملة أوجدتها الحكومة لدعم المزارعين، بدأت بتوزيع المزارع على المواطنين، وتحمل كلفة استصلاحها، وحفر الآبار فيها ومن ثم تزويد المزارع بالأدوات والخبرات المناسبة، ليبدأ وينطلق، ومن ثم تفعيل منظومة التسويق بشراء إنتاج المزارعين وإعادة طرحه في منافذ البيع المختلفة، حافزاً يربط المواطن بالزراعة، ويدفعه لبذل المزيد من العمل وتحقيق مصدر دخل إضافي.

كما تأسست شركة «الفوعة» في العين عام 2005، لتأخذ على عاتقها مسؤولية إنتاج التمور وتصنيعها، وتضم مصنعاً لإنتاج التمور في منطقة الساد، وآخر في المرفأ بمنطقة الظفرة، وعدداً من مراكز تسلّم التمور.

تصدّر شركة الفوعة 90% من تمورها إلى 45 دولة، وتقدم أفخر أصناف التمور تحت علامات تجارية معروفة، مثل «زادينا»، «تاج التمور»، «الساد»، «الظفرة».

وترتبط هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية اليوم، بعقود توريد مع أكثر من 600 مزرعة في أبوظبي، تتولى بموجبها تسويق منتجاتها تحت اسم العلامة التجارية «حصاد مزارعنا» في السوق المحلي.

الإنتاج 

قفزت قيمة الإنتاج الزراعي في الإمارات إلى 4.115 مليار درهم، خلال عام 2019، بزيادة نسبتها 13.6%، مقارنة بعام 2018، وفق أحدث الأرقام التي أعلن عنها المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء.

وجاءت القفزة الكبيرة المسجلة في قيمة الإنتاج الزراعي، مدعومة بالرعاية التي يحظى بها القطاع الذي أصبح يتصدر قائمة الأوليات في أجندة الحكومة الاتحادية، وتضمنت الأرقام عدداً من المؤشرات الإيجابية التي تعكس مدى التطور الذي شهده القطاع، وفي مقدمتها مؤشر نسب الاكتفاء الذاتي الذي حققته الدولة في إنتاج 17 محصولاً زراعياً.

وبلغ متوسط معدل الاكتفاء الذاتي العام لجميع المحاصيل 12.3%، خلال عام 2019، بزيادة 4%، مقارنة بالعام السابق، علماً بأن نسبته في بعض المحاصيل الزراعية، وصلت 159% في حدها الأعلى. وتصدرت أشجار الفاكهة قائمة أكثر المحاصيل الزراعية، من حيث القيمة التي بلغت 2.439 مليار درهم، خلال عام 2019، في حين وصلت قيمة إنتاج زراعة الخضراوات 817 مليون درهم، ونحو 859 مليوناً للمحاصيل الحقلية.

وفي إمارات الدولة، جاءت أبوظبي بالمركز الأول من حيث قيمة إنتاج المحاصيل الزراعية التي وصلت إلى 2.273 مليار درهم، خلال عام 2019، تشكل 55.2% من إجمالي قيمة إنتاج جميع الإمارات.

وحلّت رأس الخيمة في المركز الثاني بقيمة إنتاج 654 مليون درهم، وفي إمارة الشارقة 474 مليون درهم، والفجيرة 341 مليون درهم، وفي دبي 244 مليون درهم، وتوزع باقي المبلغ على الإمارات الأخرى.

زراعة المستقبل

حققت الإمارات خلال السنوات الماضية، طفرة زراعية مهمة أسهمت في زيادة عدد الأصناف المنتجة محلياً من الخضر والفاكهة إلى ما يزيد على 70 صنفاً تتمتع بمستوى عال من الجودة، ووفقاً لتقديرات وزارة التغيير المناخي والبيئة، فإن عدد المزارع في الإمارات حتى عام 2018، بلغ 35 ألف مزرعة، أسهمت في تلبية احتياجات الأسواق المحلية.

وتضم أبوظبي النسبة الأكبر من المزارع في الدولة، فقد شهدت الخطة الزراعية لمركز خدمات المزارعين /سابقا/ لعام 2018 – 2019 تسويق 68 صنفاً من الخضراوات الطازجة، بينها 6 محاصيل من الفاكهة، أدرجت للمرة الأولى ضمن الخطة.

بفضل الرؤية الاستراتيجية والحكيمة لقيادتنا الرشيدة، وخطواتها الاستباقية شكل مجلس الوزراء مؤخراً فريق عمل لتنمية قطاع الزراعة الحديثة.

مشاريع مبتكرة

تحرص وزارة التغير المناخي والبيئة، على تشجيع الشركات والمزارعين على اتباع أنماط زراعية حديثة، منها: المائية، والزراعة بدون تربة، والعمودية، التي تنمو فيها المحاصيل على وحدات معلقة بالهواء في منشآت داخلية يتحكم بمناخها آلياً.

وخصصت الوزارة 12 مزرعة معدة للزارعة العمودية، وهو حل ناجع وسط توقعات نمو قطاع الاستثمارات الضخمة في الزراعة الرأسية أو العمودية بمنطقة الخليج عموماً، ليصل إلى 1.21 مليار دولار بحلول عام 2021، وبمعدل نمو سنوي مركب 26.4%.

الوزارة أكدت أن تعزيز التنوع الغذائي وضمان استدامته في الدولة أولوية ضمن الأهداف الاستراتيجية لها، ويعد الإنتاج الزراعي المحلي من أهم القطاعات الذي تعمل الوزارة على حمايته واستدامته.

وبخصوص صادرات التمور العالمية، بلغت حصة الإمارات نحو 5% خلال العام الماضي؛ إذ زاد حجم الإنتاج على 500 ألف طن سنوياً من الثمار الطازجة، وتستحوذ الإمارات على حجم التجارة الخارجية العالمية منها، استيراداً أو تصديراً؛ إذ أصبحت من أهم 10 دول منتجة للتمور في العالم.

بات واضحاً اليوم التوجه لزيادة الشراكات الاستراتيجية مع كثير من الدول المختصة بتكنولوجيا الزراعة الحديثة، فضلاً عن زيادة سعة تخزين الأغذية وعدد المخازن، للحد من الاعتماد على ااستيراد ، ووضع خطط تعزز التسوق الافتراضي للمواد والأغذية الأساسية على المدى البعيد، وزيادة وتيرة البحوث الأساسية لتسريع الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

والمحور المستقبلي في تعزيز منظومة الأمن الغذائي في الإمارات، يتمثل في أهمية توفير بيئة محفزة للأعمال لجذب الاستثمارات الخارجية.