عادي

السكر.. تاريخ مُحلى بالمرارة

الطعام مأكولاً ومقروءاً
00:07 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

محمد إسماعيل زاهر
هل تحب السكر؟، لن تجد من يجيبك بالنفي عن هذا السؤال، حتى مرضى السكري، فإنهم لا يكرهونه، ويظلون لسنوات طويلة يخففون جرعاتهم منه، ويشعرون كثيراً بالحرمان، والجوع إلى كميات أكبر من السكر، برغم أن الأطباء حذروهم من مخاطره. السكر أو تلك المادة التي أطلق عليها في بعض المراحل «الذهب الأبيض»، تجاوزت في معناها الطعم الحلو، الذي نتذوقه في المأكولات والمشروبات، إلى حزمة من المشاعر، فالسكر بهجة الطفولة، ولحظة فرح في حفل أو عرس، وقطع حلوى نقدمها في مختلف المناسبات، أما كلمة «حلو» فمنحناها عدة دلالات أخرى لنصف من خلالها الجمال والأخلاق، فنقول حلو الشمائل، وحلو الحديث.. إلخ.

1

 في الحقيقة لا تختزن ذاكرة السكر الثقافية والإنسانية مذاق الطعم الحلو وما أثاره فينا من سعادة وحسب، فبجوار تلك السعادة كانت هناك قصة أخرى تفيض بالمرارة.
كتب المؤرخ هيرودت أنه عندما غزا الإمبراطور الفارسي داريوش الأول الهند حوالي 510 قبل الميلاد، فإن رجاله قد عثروا على قصب طويل يشبه الخيزران، بداخله سائل حلو المذاق، فأطلقوا عليه القصب الحلو، أو القصب الذي ينتج العسل، وكان الهنود يسمونه «شاكارا»، و يستخدمونه في الاحتفالات الدينية والطب، ومن هنا جاءت كلمة «سكر» في العربية، وانطلقت منها إلى مختلف لغات العالم.
بدايات هادئة
البدايات الأولى للسكر هادئة، وجمالية تشبه طعمه إلى حد كبير؛ حيث كان معظم البشر يحصلون على الطاقة التي يوفرها السكر للجسم والمذاق الحلو، من العسل والفواكه، وكان قصب السكر يزرع بكميات محدودة، وهناك خلاف عن البيئة الطبيعية الأولى للسكر، هل هي الهند أم أستراليا؟، وفي قصور الخلفاء المسلمين دارت حكايات حول الأشكال الفاتنة التي برع الطهاة في صناعتها من السكر، مثل الأشجار والبيوت الكاملة ولعب الأطفال، وعلى امتداد الشرق بأكمله توفر السكر البني، ونجحت مصر في اكتشاف السكر الأبيض، وصناعة مختلف أنواع الحلوى منه، وفي ذلك الوقت وقبل القرن الخامس عشر الميلادي تحديداً كان السكر يعبر بشكل أو بآخر عن ثراء العالم الإسلامي.
لا يعرف على وجه الدقة متى تسلل السكر إلى أوروبا، ففي عام 1226 كتب هنري الثالث ملك إنجلترا إلى أحد المسؤولين أن يسعى بأي شكل لكي يوفر له ثلاثة أرطال من السكر مقابل 450 دولاراً، وهو مبلغ خيالي آنذاك، ودخل السكر إلى موائد النبلاء والأثرياء فقط، وقابله الأوروبيون بهوس شمل أيضاً مختلف أنواع التوابل الأخرى، وبدأت القصة المعروفة: النهضة والتي أعقبها التوسع والاستعمار للسيطرة على موارد العالم، حتى قاد السكر اقتصاد الكوكب خلال الفترة من 1600 إلى 1800م.
يذكر إدواردو غاليانو مآسي التسابق الاستعماري حول زراعة وتصدير السكر في كتابه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية»، ولكن قائمة غاليانو للنهب الذي مارسه الرجل الأبيض تضم العديد من المحاصيل الأخرى، أما أهمية كتاب مارك أرونسون ومارينا بودوس «كيف غير السكر العالم؟»، فيتمثل في سردية كاملة لـ«الذهب الأبيض»، ذلك الذي أسس لجزر وبلدان بأكملها في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، ثم التصدير إلى أوروبا، رحلة لا تقتصر على الزراعة ومن ثم التصنيع فتحقيق الربح، ولكنها شملت أيضاً التجارة في ملايين البشر، فعلى مدار أربعمئة سنة تم نقل ثلاثة ملايين إفريقي إلى البرازيل، ومن هنا جاءت مقولة: «لا برازيل من دون سكر، ولا سكر من دون عبيد».
ملايين العبيد ماتوا في مزارع السكر، والتي كانت تتطلب أعداداً ضخمة من الأيدي العاملة، في ظروف لا إنسانية، وفي القرن الثامن عشر بدأت ثقافة الطعام في أوروبا تتغير، ومع توفر السكر والشاي بكميات كبيرة، ترسخت عادة تناول الشاي المحلى بالسكر، وفي القرن التاسع عشر، اكتشف أصحاب المصانع في إنجلترا، أن راحة تُعطى للعمال يتخللها تقديم كوب شاي بالسكر سوف تمنحهم طاقة وسعادة، الأمر الذي يجعلهم ينتجون أكثر، أي أن حياة العبيد الأفارقة كانت ثمن رفاهية - راحة الطبقات الإنجليزية المختلفة.
الكتاب يتضمن الكثير من الحكايات عن بؤس عمال السكر، الذين حرموا من التعليم وأدني مقومات الحياة الكريمة، وكانوا يعاقبون بالقتل إذا حاولوا الهروب، يتم تقييد العبد وتكميمه وفرك جسده العاري بدبس السكر ويترك لمختلف أنواع الحشرات والزواحف. ولكن في عام 1791 ثار «عبيد السكر» في المستعمرة الفرنسية هايتي، وأحرقوا ألف مزرعة، واعتقدوا أن الثورة الفرنسية بمبادئها ستنصفهم، ولكن فرنسا أرسلت جيشاً لإخضاعهم، فهزموه، وخافت بريطانيا من انتقال ثورة هايتي إلى مستعمرات السكر المجاورة، فأرسلت بدورها جيشاً آخر، فاستطاع العبيد الانتصار عليه، ونظراً لخسائر نابليون معاركه في أوروبا، والأهم فقدانه للذهب الأبيض في هايتي باع ولاية لويزيانا إلى جيفرسون بـ 15 مليون دولار فقط.
برلمان السكر
لم تطبق فرنسا أفكار ثورتها في هايتي، أما بريطانيا فتحكم فيها برلمان ضم العديد من محتكري السكر، أطلق عليه برلمان السكر، ووقفت أمريكا على الحياد، فالاقتصاد بلا مشاعر ولم تحركه الأفكار يوماً، أما الأحرار في أوروبا فنظموا حملات لمقاطعة «المشروبات المحلاة بالدم»، ولكن الأثرياء الذين كانوا يمتلكون أراضي في عالم السكر، والحكومات التي فرضت ضرائب السكر، والصناعات التي انعشتها تجارة الذهب الأبيض، وقفوا ضد هذه الحملات، وشاركوا بنفوذهم في كتابة قصة مخزية للسكر.
لم تحرر الأفكار «عبيد السكر»، ولكن في القرن التاسع عشر توصل العلم إلى استخلاص السكر من الشمندر، والذي لا تتطلب زراعته نفس المجهود الذي يحتاجه قصب السكر،، وبحلول عام 1899 أسهم الشمندر بـ65% من الطلب على السكر في العالم، وتزامن ذلك مع اكتشاف الكيمياء للسكرين.
ذائقة خاصة جداً
«كيف غير السكر العالم؟»، كتبه المؤلفان وفاءً لأسرتيهما، فجد مارك أرونسون لأمه كان أحد «عبيد السكر»، أما مارينا بودوس فعاشت طفولتها في قرية هندية قام اقتصادها على زراعة السكر. أما نحن فعلينا أن نتذكر أن وراء كل ملعقة سكر نضعها في مشروب أو نستخدمها في الأكل قصة ربما تمنحنا المذاق الحلو أو الطعم المر، بحسب ذائقة كل فرد فينا.

 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ydnxc2qx