فرص ترامب لزعامة الجمهوريين

00:09 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

الهجوم الشديد الذي شنّه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور ميتش ماكونيل في خطابه الذي ألقاه بمؤتمر لمانحي الحزب الجمهوري في فلوريدا الأسبوع الماضي يكشف عن مجموعة من الحقائق المهمة، أولها أن ترامب عازم بجدية للعودة إلى المنافسة على منصب رئيس الولايات المتحدة في الانتخابات الرئاسية التي ستجري عام 2024، وثانيها أنه سيخوض هذه الانتخابات، وفق قناعاته، مرشحاً عن الحزب الجمهوري، ما يعني أنه قد ألغى وتجاوز تماماً فكرة تأسيس حزب جديد باعتبارها «فكرة غير راجحة»، لأسباب كثيرة، أبرزها أنها لن تتيح له الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي تعد أمله الأخير كمشارك في صنع السياسة لاعتبارات السن على أقل تقدير، لأن الحزب الجديد سيكون في حاجة إلى وقت طويل وأداء مميز على مدى سنوات ممتدة كي يتمكن من طرح مرشح قادر على المنافسة في الانتخابات الرئاسية.

 أما الحقيقة الثالثة، فهي أن ترامب، وكي تكون له اليد الطولى مجدداً في الحزب الجمهوري، عليه أن يقضي نهائياً على نفوذ «الجماعة التقليدية» المسيطرة على الحزب، التي رأت في دور ترامب لجريمة اقتحام مبنى الكونجرس (الكابيتول) يوم السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي نكسة لا تغتفر للحزب الجمهوري الذي عليه أن يتطهر منها بالتبرؤ نهائياً من وجود دونالد ترامب ضمن صفوفه.

 العبارات البذيئة التي تعمد ترامب فيها أن يهاجم ميتش ماكونيل تؤكد جديته في خوض معركة مبكرة ضد قيادات الحزب التقليديين الذين لم يكن في مقدورهم التكيف مع جنوح ترامب نحو «الشعبوية»، وعلى رأسهم ماكونيل الذي ربما يكون الضحية الأولى لعودة ترامب إلى فرض نفسه كقيادي للحزب الجمهوري.

 لم يشفع لماكونيل إطراؤه لترامب وإعلان «عزمه على دعم ترامب كمرشح للرئاسة الأمريكية عام 2024 في حال فاز بترشيح الحزب الرسمي» في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» قبل أيام قليلة من أول ظهور رسمي لدونالد ترامب في مؤتمر نظمه أنصاره في كاليفورنيا يوم الأحد (28 فبراير/ شباط 2021)، حيث ألقى خطابه الشهير الذي أعلن فيه أنه «لا يخطط لتشكيل حزب جديد يكون منافساً للحزب الجمهوري»، ما يعني أنه باق في الحزب الجمهوري، ليس هذا فقط، بل إنه يجدد إصراره على زعامة الحزب والترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2024.

 لم يفوت ترامب في خطابه تجديد ثقته في أرجحية سياساته الداخلية، وشنّ هجوماً شديداً على الرئيس جو بايدن وسياساته وتفنيدها. وكان من أبرز ما ورد في هذا الخطاب قوله «سنكون موحدين وأقوى كثيراً من ذي قبل.. وسنحارب التطرف والشيوعية».

 موقع «أكسيوس» نقل عن كبار حلفاء ترامب قولهم، عقب هذا الخطاب، أن الرئيس السابق «يسعى إلى إيصال رسالة إلى قادة الحزب تقول إنه أحكم قبضته على القاعدة الجمهورية وإنه سيواصل إظهار نفوذه على الحزب».

 السؤال الذي يفرض نفسه في سياق هذا التصور أو الاعتقاد لدى الرئيس السابق ترامب هو: هل سيقبل قادة الحزب «عودة طوعية» لذلك الرئيس ليتزعم الحزب في ظل قناعة مزدوجة مفادها أن تزعم ترامب لجريمة اقتحام مبنى الكونجرس التي اعتبرها الأمريكيون «أكبر الكبائر» وتجاوزها في ضراوتها لحادثتي الهجوم الياباني على الأسطول البحري الأمريكي في المحيط الهادي وتحديداً في «بيرل هاربر» بجزيرة «هاواي» في السابع من ديسمبر/ كانون أول عام 1941 الذي دخلت بسببه الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، والهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وضع الحزب الجمهوري في موقف شديد المأساوية جماهيرياً، وأن على الحزب «أن يتطهر» من هذه الجريمة، وأن التبرّؤ من دور مستقبلي لترامب في الحزب هو أقل ما يمكن عمله كي يستطيع الحزب المنافسة السياسية مجدداً، خصوصاً أن معركة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس باتت على الأبواب عام 2022.

 هل سيستطيع ترامب أن يفرض على الحزب الجمهوري التراجع عن هذا الإدراك؟ وهل في مقدور القيادة التقليدية للحزب مواجهة تيار ترامب الكاسح واعتماده على 74 مليون صوت انتخابي دعمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟

 سؤالان مهمان يؤكدان أن الصراع على قيادة الحزب الجمهوري لم يحسم بعد، وربما يكون في بدايته، وأن هذا الحزب أمامه مشوار طويل كي يستطيع أن يحسم صراعاته الداخلية وأن يتهيأ للمنافسة الانتخابية مجدداً في ظل أداء يحظى بالدعم الشعبي المتصاعد لإدارة الرئيس جو بايدن. ولعل في لجوء ترامب إلى استخدام ألفاظ، أقل ما توصف به أنها «بذيئة» في الهجوم على شخص ميتش ماكونيل، ما يؤكد أن المعركة ما زالت مفتوحة ولم تحسم بعد، وهذا ما فهمه ترامب من الحديث المشار إليه على لسان ماكونيل مع شبكة «فوكس نيوز»، حيث ربط بين دعمه لترشيح ترامب مرشحاً رئاسياً في الانتخابات القادمة بفوزه رسمياً بترشيح الحزب الجمهوري. أي أن هذا الدعم مشروط بفوز ترامب بترشيح الحزب، وهذا ما فهمه ترامب وفجر جنونه ضد ماكونيل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"