القوى العظمى.. سر الصعود

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاصم عبد الخالق

لم يكن المؤرخ الأمريكي الشهير بول كندي أول من حاول تفسير ظاهرة نشأة الإمبراطوريات ونموها وتطورها ثم أفولها واندثارها. كثيرون قبله تصدوا لهذه المهمة. إلا أن كتابه المعروف باسم «صعود وسقوط القوى الكبرى» الصادر عام 1989 هو الأشهر والأهم في هذا المجال، رغم أن عشرات وربما مئات جاؤوا بعده وتناولوا نفس القضية.

 منذ فجر التاريخ ظلت القوى الكبرى، بمقاييس زمنها، تولد وتزدهر وتتوسع ثم تشيخ وتندثر لتولد غيرها وتزدهر، إما على أنقاض سابقتها وإما في مكان آخر. بناء على تلك القاعدة التاريخية، كان طبيعياً أن يناقش كندي ومن اقتفوا أثره مستقبل الإمبراطورية الأمريكية، باعتبارها القوة العالمية الكبرى المهيمنة حالياً.

 ورغم أن كتابه صدر في أوج صعود وعنفوان الولايات المتحدة، إلا أنه كان من الحصافة وبعد النظر بحيث يدرك أن العصر الذهبي الأمريكي لن يستمر للأبد. وأن بقاء أمريكا قوة عظمى بلا منافس مستحيل. أعلن كندي أن حكم التاريخ سيقضي بأفول الولايات المتحدة، إن لم يكن غداً فبعد غد. ونصيحته لبلاده لكي تؤجل هذا المصير إلى أبعد وقت ممكن هو أن تكبح إنفاقها العسكري ومغامرتها الخارجية، وأن تزيد الإنفاق على القطاع المدني الذي يضمن نمواً مستقراً ومستداماً.

 بالتوازي أدرك كندي وغيره أن الصين هي العملاق القادم والنجم الصاعد، وهي التهديد الأكبر والمنافس الأخطر للزعامة الأمريكية في العالم.

 وإذا كان التاريخ يجيب عن التساؤلات الخاصة بأسباب صعود وسقوط القوى العظمى على نحو ما رصد وشرح كندي ورفاقه، فإنه، أي التاريخ، لم يقدم حتى الآن إجابة شافية عن سؤال ذي صلة، هو لماذا تصعد دولة إلى مصاف القوى العظمى وتفشل غيرها رغم امتلاك الاثنتين لنفس الإمكانيات والقدرات؟.

 تلفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية الانتباه إلى هذا التساؤل المهم، وتحيل الإجابة عنه إلى كتاب صدر حديثاً لأستاذة العلاقات الدولية في جامعة بوسطن «مانجاري شاتيرجي ميلر» بعنوان «لماذا تصعد الأمم»؟.

 تقدم ميلر تفسيراً جيداً ملخصه أن القوة العسكرية والاقتصادية وحدها لا تكفي لتحويل الدولة إلى قوة عظمى، ولابد أن يواكبها توجه أو رؤية أو فكرة يعتنقها القادة وتؤمن بها النخبة تعتبر التحول إلى قوة عظمى هدفاً يجب السعي إليه.

 تدلل الباحثة على نظريتها بأمثلة تاريخية ومعاصرة لدول أصبحت قوى عظمى، وأخرى بقيت كما هي رغم امتلاكها لنفس الإمكانيات تقريباً. بريطانيا على سبيل المثال تبنت في القرن الماضي أفكاراً ورؤية تنشد التحول إلى قوة عظمى، وأخذت بالوسائل التي تقودها إلى هذه النتيجة وفي مقدمتها امتلاك الأسلحة والغزوات الخارجية للاستيلاء على الأراضي والثروات. في المقابل كانت هولندا في مستوى اقتصادي مشابه لكنها لم تعتنق فكرة الدولة العظمى، ولم تطور أيديولوجية تهتدي بها إلى هذا الهدف الصعب، فكانت النتيجة أن ضلت طريقها في دروب التاريخ الوعرة.

 تكرر الأمر ذاته في العصر الحديث. وتضرب المؤلفة مثالاً على ذلك بالمقارنة بين الهند والصين. الثانية لديها الفكرة والطموح والرؤية للتمدد والصعود وتوسيع نفوذها في العالم، أي التحول إلى قوة عظمى عالمية. في الجانب الآخر اختارت الهند توجهاً مختلفاً فلم تتبنَّ أفكاراً أو توجهات توسعية، ولا تسعى للهيمنة أو إيجاد مناطق نفوذ خارجية رغم قدراتها الاقتصادية والعسكرية الضخمة.

 اعتمدت الفلسفة الهندية على رؤية حضارية للذات والعالم. ونبذ فكرة التوسع ونشر النفوذ الخارجي. لم يطور حكماء الهند رؤية تستهدف التحول إلى قوة عظمى مهيمنة، ومن ثم لم يكن في برنامجها التوسع أو الاستعمار الخارجي. 

ظلت الهند وفية لإرثها الحضاري وراضية به وقانعة بتراثها وثقافتها دون محاولة فرضها على أمم أخرى. ولذا لم ولن تتحول إلى قوة عظمى. أو بعبارة أخرى قد تصبح قوة عظمى يوماً ما، ولكن بطريقتها الخاصة ووفقاً لمفهومها الخاص.

 في كل الأحوال تبقى أطروحة ميلر اجتهاداً قد يصيب أو يخطئ، لكنها تظل محاولة جديدة ومهمة لتفسير التاريخ واستقراء المستقبل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yep4phad