لبنان والمبادرة الفرنسية

00:19 صباحا
قراءة دقيقتين

الحماس وربما الآمال التي عقدت على «المبادرة الفرنسية» لحل الأزمة في لبنان، والتي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الثانية لبيروت في الثاني من سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد الزيارة الأولى التي قام بها في السادس من أغسطس/ آب، إثر انفجار المرفأ المروّع قبل ذلك بيومين، تراجعت، بعد نحو ثمانية شهور على إعلانها بموافقة كل الكتل السياسية، إلى الحد الذي بات ينذر بوأدها، فما الذي تبقى منها حتى الآن؟
 من غير الإنصاف تحميل فرنسا وحدها مسؤولية هذا التآكل التدريجي لمبادرتها، فالقوى اللبنانية مجتمعة أيضاً، وألاعيبها السياسية تتحمل الجزء الأكبر في إيصال هذه المبادرة إلى ما وصلت إليه، انطلاقاً من حساباتها المصلحية الضيقة، ولو على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني، الذي بات وحده يدفع ثمن الانهيارات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.
 يمكن القول إن المرونة الفرنسية أو «التسهيلات» التي حاولت تقديمها لتسريع ولادة «حكومة المهمة المؤقتة» التي تحدثت عنها المبادرة، والتي وافقت عليها القوى السياسية، لتنفيذ نحو 40 بنداً يتقدمها القيام بإصلاحات جذرية في مؤسسات الدولة وسلطاتها؛ لكسب ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ودائني لبنان الخارجيين.. هذه المرونة كانت سبباً، منذ البداية، في انهيار اللبنة الأولى التي راهنت عليها فرنسا، مع اعتذار مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة بعد 26 يوماً على تكليفه، خصوصاً بعدما اصطدم أولاً بإصرار ما يسمى «الثنائي الشيعي - أمل وحزب الله»، على الاحتفاظ بحقيبة المالية وتسمية وزيرها. وثانياً بالموافقة الفرنسية لتذليل هذه العقبة، مما فتح الباب أمام القوى الأخرى للمطالبة بالحصص والحقائب، وهذه كانت الضربة الأولى للمبادرة الفرنسية.
 ولاحقاً في الثاني والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أعيد تكليف سعد الحريري، بعدما استقال في خضم احتجاجات 17 أكتوبر 2019، ليتم تشكيل حكومة حسان دياب التي استقالت بدورها بعد انفجار المرفأ وتحولت إلى حكومة تصريف أعمال. حمل الحريري لواء المبادرة الفرنسية مجدداً، وتمسك بتشكيل حكومة اختصاصيين لا مكان فيها للثلث المعطل لأي طرف، لكنه سرعان ما اصطدم بنفس العقبات السابقة، الحصص الطائفية وتوزيع الحقائب، إلى جانب إصرار رئيس الجمهورية على المشاركة في «التأليف» مستفيداً من حقه دستورياً في التوقيع على التشكيلة الحكومية، ما مكنه من رفع سقف مطالبه، والاعتراض على أي تشكيلة لا تراعي التوازنات الطائفية أو حصته ودوره في عملية التشكيل. وهذه كلها تتعارض مع «حكومة المهمة المؤقتة» التي اقترحتها المبادرة الفرنسية لإنقاذ لبنان. 
 البعض يأخذ على فرنسا سوء إدارتها للملف، ويحملها مسؤولية فشل مبادرتها حتى الآن، وربما يكون عدم الحسم الفرنسي قد فتح المجال لتفاقم السجال السياسي بين عون والحريري، بل اختزل حل الأزمة اللبنانية برمتها، في نهاية المطاف، بلقاء بين الحريري وجبران باسيل صهر الرئيس وزعيم «التيار الوطني الحر»، ودفع الحريري للبحث عن دعم عربي ودولي، بينما الأزمة المالية تتفاقم، ويتفاقم معها يأس اللبنانيين بفعل تعمق الأزمة المعيشية، وانسداد الآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yf7u2pbz