عادي

أبو حنيفة الدينوري.. مؤسس علم النبات

00:09 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

‏مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

في عام 828 م‏، ولد ‏أحمد‏ ‏بن‏ ‏داود‏ ‏الدينوري‏ ‏الحنفي، ‏أو‏ ‏أبو‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏، و‏ينسب‏ ‏إلى‏ ‏موطنه «دينور»، ‏في‏ ‏إقليم‏ ‏همدان، ‏وتوفي‏ عام‏‏ 895‏ م، و‏اشتغل‏ ‏بعلوم‏ ‏كثيرة، ‏وكان‏ ‏واسع‏ ‏الأفق‏ ‏موسوعي‏ ‏الثقافة، وكان ‏يعتمد‏ ‏في‏ ‏مؤلفاته‏ ‏على‏ ‏مصادر‏ ‏عربية‏ ‏أصيلة ‏وكان‏ ‏يعرف‏ ‏ب‏ «العشاب‏»، و‏تميز‏ ‏أسلوبه‏ ‏بالسهولة‏ ‏والبلاغة‏ ‏في‏ ‏وقت‏ ‏واحد‏.‏

عرف‏ ‏أبو‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏ ‏بكتابه‏ «النبات»، ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏له‏ ‏مؤلفات‏ ‏أخرى، ‏يربو‏ ‏عددها‏ ‏على‏ ‏العشرين‏. ‏أما‏ ‏كتاب‏ ‏«النبات»‏ ‏الشهير‏ ‏ف‏تضمن ‏الجزء‏ ‏الثالث‏ ‏والنصف‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏الجزء‏ ‏الخامس‏ ‏معلومات‏ ‏قيمة‏ ‏عن‏ ‏الحيوان‏. ‏وبقي‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏مرجعا‏ً ‏لعلماء‏ ‏النبات‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏أجمع، ‏فترة‏ ‏طويلة، ‏و‏اهتم‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏قيل‏ ‏عن‏ ‏النباتات‏ ورتبه‏ ‏على‏ ‏حروف‏ ‏المعجم‏.‏

ويقول‏ ‏د. عبد‏ ‏الحليم‏ ‏منتصر‏ ‏إن‏ ‏أبا‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏ ‏نباتي‏ ‏وليس‏ ‏طبيباً، ‏أي‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يهتم‏ ‏بذكر‏ ‏الفوائد‏ ‏الطبية‏ ‏إلا‏ ‏قليلاً، ‏لكن‏ ‏غيره‏ ‏كابن‏ ‏الصوري‏ ‏وابن‏ ‏سينا‏ ‏وابن‏ ‏البيطار‏ ‏وغيرهم، ‏كانوا‏ ‏يهتمون‏ ‏ببحث‏ ‏الفوائد‏ ‏الطبية‏ ‏لجميع‏ ‏النباتات‏.‏

وكان‏ ‏الدينوري‏ ‏يعتمد‏ ‏في‏ ‏وصفه‏ ‏للنبات‏ ‏على‏ ‏مشاهداته‏، ‏أو‏ ‏يستشهد‏ ‏بأقوال‏ ‏من‏ ‏شاهدوه‏ ‏من‏ ‏العرب، ‏أو‏ ‏تحدثوا‏ ‏عن‏ ‏مواطن‏ ‏نموه‏ ‏أو‏ ‏أزهاره‏ ‏أو‏ ‏استعمالاته‏.‏ كما‏ ‏اهتم‏ ‏بذكر‏ ‏مواطن‏ ‏النبات‏ ‏وذكر‏ ‏تفاصيل‏ ‏دقيقة‏ ‏عن‏ ‏أعضائه‏ ‏وأجزائه‏ ‏وثماره‏. ‏وأبرز‏ ‏الذين‏ ‏نقل‏ ‏الدينوري‏ ‏عنهم‏: ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏الكلابي، ‏أبو‏ ‏زياد‏ ‏الأنصاري، ‏الأصمعي، ‏وأبو‏ ‏نصر‏.‏

وجاء ‏في‏ ‏كتاب‏ «‏العلوم‏ ‏الطبيعية‏ ‏عن‏ ‏العرب‏» أن‏ ‏أبا‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏ ‏وصف‏ ‏الجراد‏ ‏وصفاً‏ ‏دقيقاً، ‏يدل‏ ‏عليى‏ ‏قوة‏ ‏الملاحظة‏ ‏والتدقيق‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الاستزادة‏ ‏في‏ ‏المعرفة‏ ‏العلمية، ‏كما‏ ‏كان‏ ‏يصف‏ ‏النحل‏ ‏وأنواعها‏ ‏وطباعه‏ا ‏وغيره‏ا ‏من‏ ‏الحشرات، ‏حتى ‏وإن‏ ‏كانت‏ ‏صغيرة، ‏ويدرسها‏ ‏دراسة‏ ‏علمية‏ ‏مفصلة‏.‏

ووضح ‏أبو‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏ ‏المنهج‏ ‏الذي‏ ‏اتبعه‏ ‏في‏ ‏تأليف‏ ‏كتاب‏ «النبات»، ‏بقوله‏: «‏أتينا‏ ‏فيما‏ ‏قدمنا‏ ‏من‏ ‏أبواب‏ ‏كتابنا‏ ‏هذا‏ ‏على‏ ‏ما‏ ‏استحسنا‏ ‏تقديم‏ ‏ذكره‏ ‏قبل‏ ‏ذكر‏ ‏النبات‏، ‏فلم‏ ‏يبق‏ ‏إلا‏ ‏ذكر‏ ‏أعيان‏ ‏النبات، ‏ونحن‏ ‏آخذون‏ ‏في‏ ‏تسميتها‏ ‏ومحللون‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏منها‏ ‏بما‏ ‏انتهى ‏إلينا‏ ‏من‏ ‏صفته‏ ‏أو‏ ‏شاهدناه، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏في‏ ‏شيء‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏اختلاف‏ ‏مما‏ ‏يرى‏ ‏أنه‏ ‏ينبغي‏ ‏أن‏ ‏يذكر، ‏ذكرناه‏ ‏إن‏ ‏شاء‏ ‏الله‏. ‏وجعلنا‏ ‏تصنيف‏ ‏ما نذكر‏ ‏منها‏ ‏على‏ ‏أوائل‏ ‏حروف‏ ‏أسمائها‏ ‏وإن‏ ‏اختلط‏ ‏جل‏ ‏الشجر‏ ‏فيه‏ ‏بدقه، ‏واختلط‏ ‏أيضا‏ً ‏الشجر‏ ‏بالأعشاب، ‏وبقلها‏ ‏وجنبتها‏، ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏أصنافها‏ ‏التي‏ ‏جنسناها‏ ‏فيما‏ ‏سلف‏ ‏وصنعناها، ‏لأن‏ ‏وصفنا‏ ‏إياها‏ ‏نبتاً‏ ‏نبتاً، ‏سيلحق‏ ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏منها‏ ‏بجنسه، ‏عند‏ ‏من‏ ‏فهم‏ ‏عنا‏ ‏ما قدمنا‏ ‏وما‏ ‏أخرنا‏ ‏وإنما‏ ‏آثرنا‏ ‏هذا‏ ‏التصنيف‏ ‏على‏ ‏توالي‏ ‏حروف‏ ‏المعجم‏ ‏لأنه‏ ‏أقرب‏ ‏إلى‏ ‏وجدان‏ ‏المطلوب، ‏وأهون‏ ‏مؤونة‏ ‏على‏ ‏الطالب‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏تصنيف‏ ‏سواه»‏.‏

وكان أبو حنيفة الدينوري أول عالم نباتي مسلم يشير إلى طريقة التهجين في النباتات، كما تكلم أيضاً في أجزاء من كتاب «النبات» عن علوم الأرض وعلاقتها بالزراعة. واستعرض فيه الدينوري الأرض والصخور والرمال، ووصف أنواعاً مختلفة من التربة. يعتبر الدينوري مؤسس علم النبات في العالم العربي، تحديداً كتابه «النبات»، والمؤلف من 6 مجلدات. وللأسف، لم يبق من الكتاب سوى المجلدين الثالث والخامس، بينما أُعيدت أجزاء من المجلد السادس بناء على توثيقات جمعت من أعمال لاحقة. أما بالنسبة لأعماله الباقية، فنجد أن الدينوري وصف وتحدث عن 637 نبتة.

و‏قام‏ ‏العالم‏ ‏لوين‏ ‏من‏ ‏جامعة‏ ‏أبسالا‏ ‏بتحقيق‏ ‏ونشر‏ ‏الجزء‏ ‏الخامس‏ ‏من‏ ‏كتاب‏ ‏النبات‏ من‏ ‏مخطوطة‏ ‏موجودة‏ ‏في‏ ‏مكتبة‏ ‏الجامعة‏ بإسطنبول، ‏وعني‏ ‏د. ‏محمد‏ ‏حميد‏ ‏الله‏ من‏ ‏حيدر‏ ‏آباد ‏بنشر‏ ‏مخطوطة‏ ‏تشمل‏ ‏أبواباً‏ ‏من‏ ‏كتاب‏ ‏النبات‏، ‏عثر‏ ‏عليها‏ ‏في‏ ‏إحدى‏ ‏مكتبات‏ ‏المدينة‏ ‏المنورة‏.‏

أشاد‏ ‏أبوحيان‏ ‏التوحيدي‏ ‏بأبي‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري‏ ‏في‏ ‏كتاب‏ «المقابسات‏»، ‏وقال‏ ‏عنه‏: «إنه‏ ‏من‏ ‏نوادر‏ ‏الرجال، ‏جمع‏ ‏بين‏ ‏حكمة‏ ‏الفلاسفة‏ ‏وبيان‏ ‏العرب، ‏وله‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏فن‏ ‏ساق‏ ‏وقدم‏ ‏ورواء‏ ‏وحكم‏». ‏وقال‏ ‏صاعد‏ ‏الأندلسي‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ «‏طبقات‏ ‏الأمم‏» ‏عن‏ ‏كتاب‏ «الأنواء» ‏لأبي‏ ‏حنيفة‏ ‏الدينوري، ‏وهو‏ ‏الكتاب‏ ‏الذي‏ ‏يدل‏ ‏على‏ ‏تمكن‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏ ‏المسلم‏ ‏من‏ ‏علوم‏ ‏الفلك‏: «كتاب‏ ‏شريف‏ ‏في‏ ‏الأنواء، ‏تضمن‏ ‏ما كان‏ ‏عند‏ ‏العرب‏ ‏من‏ ‏العلم‏ ‏بالسماء‏ ‏والأنواء، ‏ومهاب‏ ‏الرياح‏ ‏وتفصيل‏ ‏الأزمان، ‏وغير‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الفن».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjebefs7