عادي

اختراق دبلوماسي روسي للمنطقة

00:04 صباحا
قراءة 5 دقائق
1

د. محمد فراج أبو النور *

الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى القاهرة مؤخراً (12 إبريل) اتسمت بأهمية كبيرة، ليس بسبب أهمية وتشعب العلاقات الثنائية بين روسيا كدولة عظمي من ناحية ومصر كدولة محورية كبرى في المنطقة فحسب، بل وأيضاً بسبب توقيت الزيارة وما تشهده المنطقة من حراك في عديد من القضايا والملفات الحساسة وإعادة ترتيب أوضاع تمثل تحدياً للبلدين.

نجحت روسيا خلال الأعوام الأخيرة في دعم علاقاتها بأغلب دول المنطقة بصورة كبيرة، أو على الأقل إقامة علاقات متوازنة معها، ما جعل لها صوتاً مسموعاً ونفوذاً محسوساً في معالجة قضاياها، بما في ذلك العلاقات مع مصر ودول الخليج والسودان ولبنان والعراق وليبيا، فضلاً عن دورها النافذ في سوريا، وكان لدعمهم الواضح لمصر في مواجهة الإرهاب ومحاولات الغرب لعزلها – دور كبير في تعزيز العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين، كما كان لدورها في التوصل لصيغة (أوبك+) وحماية أسواق النفط من الانهيار، دور مهم في تعزيز علاقاتها بدول الخليج على أساس المنفعة المتبادلة، كما بذلت موسكو جهداً دؤوباً في نسج علاقات سياسية واقتصادية وتجارية جيدة مع الإمارات العربية والسعودية والكويت وغيرها من دول الخليج. كما كان لموقف موسكو المتوازن والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني دور مهم في تعزيز صورتها كصديق للعرب.

 وتأتي زيارة لافروف إلى مصر في هذه الظروف والتي سبقتهما جولة خليجية تمثل ميزة واضحة للدبلوماسية الروسية، خاصة في ظل وضع لا تزال الولايات المتحدة - في ظل إدارة بايدن – تعيد ترتيب علاقتها بأوضاع المنطقة، مع التركيز بصورة خاصة على مفاوضات إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران، بما لذلك من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الأوضاع في المنطقة، وخاصة على أمن الخليج والوضع في اليمن، كما أن شعارات «حقوق الإنسان» التي ترفعها الإدارة الجديدة، بصورة انتقائية، تلقي بظلالها على علاقتها بعدد من دول المنطقة.

 دبلوماسية واضحة

وبتعبير آخر فإنه بينما يشير عدد من المراقبين إلى نوع من «الغموض» في مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة - ربما يعود إلى أن هذه المواقف لا تزال في مرحلة الصياغة والبلورة – فإن المواقف الروسية تجاه قضايا المنطقة تتسم بالوضوح والثبات والتوازن، وذلك بالرغم من العلاقات الجيدة التي تربط بين موسكو والأطراف غير العربية مثل إيران، ولهذا فقد حققت جولة لافروف الخليجية الشهر الماضي نجاحاً ملموساً (زار الإمارات والسعودية وقطر بالترتيب).. وقد أسفرت الزيارة عن اتفاقات مهمة فيما يتصل بتعزيز التعاون الثنائي، السياسي والاقتصادي والتجاري.. وعن الاتفاق بوضوح على ضرورة الحل السلمي للأزمات والصراعات في المنطقة، بما في ذلك في اليمن، في إطار الاتفاقات الدولية والإقليمية والاعتراف بالشرعية، وأهمية الحفاظ على الاستقرار.

 كما تم الاتفاق – وخاصة مع الإمارات – على أهمية التوصل إلى تسوية شاملة للأزمة السورية، وعودة دمشق بصورة عاجلة إلى جامعة الدول العربية.

 وبالنسبة للوضع في ليبيا فقد كان واضحاً الاتفاق على دعم الحكومة الانتقالية، وضرورة حل الميليشيات وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية، ورفض التدخل الأجنبي في شؤون ليبيا أو أي بلد آخر.

 القاهرة – موسكو.. العلاقات الثنائية

 ذكرنا أن العلاقات المصرية - الروسية قد شهدت تطوراً شاملاً منذ ثورة (30 يونيو 2013) انتهى إلى توقيع اتفاقية الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي «في أكتوبر /تشرين الأول 2018، والتي دخلت حيز التنفيذ بدءاً من يناير من هذا العام.

 ومعروف أن الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والتقني الروسي أتاح لصانع القرار المصري إمكانية جيدة، لتنويع خياراته الاستراتيجية ومواجهة الضغوط الغربية في الفترة التالية للإطاحة بحكم جماعة «الاخوان» الإرهابية.. وأتاح هذا الدعم للقاهرة إعادة بناء جوانب أساسية في قوتها العسكرية واستعادة التوازن الاستراتيجي الذي كان مختلاً بوضوح في سنوات حكم مبارك.

 ولسنا بحاجة إلى الدخول في تفاصيل كثيرة أصبحت معروفة على نطاق واسع.. فحسبنا أن نشير إلى المقاتلات والقاذفات الروسية المتقدمة من طرازي«ميج» و«سوخوي» التي حصلت عليها القوات الجوية المصرية، وصواريخ الدفاع الجوي المتطورة، التي أتاحت تأمين الأجواء المصرية من أي عدوان، وحاملتي الطائرات الهليكوبتر من طراز«ميستيرال» الفرنسية، اللتين أعادت روسيا بيعهما لمصر، وتسليمها المروحيات المقاتلة من طراز«كا-52» ما مثل نقلة نوعية وتسليح البحرية المصرية، وجعل لها ذراعاً طويلة، وصواريخ الدفاع الساحلي (أرض - بحر) وغيرها من منظومات التسليح المتقدمة.

 كما قدمت روسيا لمصر أجهزة متقدمة للرصد والمراقبة، وصوراً للأقمار الصناعية التي تراقب الصحاري والسواحل المصرية، ما كان له دور مهم للغاية في مكافحة الإرهاب.

 كما شهدت السنوات الماضية أشكالاً عديدة من المناورات المشتركة البرية والجوية وفي مجال مكافحة الإرهاب والمناورات البحرية المشتركة – بما في ذلك في البحر الأسود – ما أتاح نقل الخبرات الروسية المتقدمة للقوات المصرية.

 ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن البيان الرسمي الصادر عن رئاسة الجمهورية حول اجتماع لافروف بالرئيس السيسي قد أشار إلى مناقشة التعاون في المجال العسكري ومكافحة الإرهاب.. علماً بأن لافروف ليس مجرد وزير للخارجية، بل هو أحد أركان الدولة الروسية – وتكتسب هذه الإشارة أهميتها في سياق الأوضاع المتوترة المحيطة بمصر، وخاصة فيما يتعلق بأزمة سد النهضة المحتدمة، كما أعلن لافروف بوضوح دعم حقوق مصر التاريخية الثابتة في مياه النيل، ورفض الإجراءات الأحادية بخصوص مياه النهر في دعم واضح للموقف المصري.

 كما أكدت المباحثات بين السيسي ولافروف أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية، وخاصة فيما يتصل باستكمال بناء محطة الضبعة النووية، والمنطقة الصناعة الروسية في مصر.. واستعادة انتعاش العلاقات التجارية، التي تأثرت نسبياً بسبب جائحة كورونا.. وكذلك على التعاون في مواجهة الجائحة. ومعروف أن لقاح (سبوتنيك – في) الروسي قد تم تسجيله في مصر.. كما أكد لافروف استئناف حركة الطيران الروسي إلى الغردقة وشرم الشيخ.. وهو مطلب مصري قديم.

 ويجب الإشارة هنا إلى اجتماع لافروف برئيس المخابرات المصرية والاتفاق على تطوير الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب.

 تفاهم حول قضايا المنطقة

 المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية المصرية والروسي أكد الجوانب التي أشار إليها بيان الرئاسة حول قضايا التعاون الثنائي والإقليمي. ويهمنا هنا الإشارة إلى الموقف المشترك بخصوص ضرورة انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، في رسالة واضحة إلى تركيا.. كما يهمنا الإشارة إلى تأكيد لافروف ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية وهو موقف تدعمه مصر، كما أكد عليه لافروف أيضاً أثناء اجتماعه بأمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط، مشدداً على ضرورة رفع الحصار الاقتصادي الأمريكي عن الشعب السوري، وإنهاء معاناته.

 وبناء على ذلك كله يمكن القول باطمئنان أن زيارة لافروف إلى القاهرة كانت زيارة مهمة وناجحة، وإذا ربطناها بنتائج جولته الخليجية، يمكن القول إن العلاقات العربية الروسية قد حققت خطوة مهمة للأمام خلال الأسابيع الماضية.

* كاتب مصري – خبير في الشؤون الروسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yjhky4uh