عادي

أحمد التيفاشي.. مبتكر أول تصنيف للمعادن

00:25 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

‏مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد‏ ‏شهاب‏ ‏الدين‏ ‏أبو‏ ‏العباس‏ ‏أحمد‏ ‏بن‏ ‏يوسف‏ ‏التيفاشي‏، ‏الملقب‏ ‏أحيانا‏ً ‏ب «القفصي» أو «‏القيسي»‏، ‏في‏ ‏تيفاش‏ (إحدى‏ ‏قرى‏ ‏قفصة‏ ‏بتونس‏) ‏عام‏ 1184‏م‏، ‏وتوفي‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏عام‏ 1253‏م‏، ‏وهو ينحدر‏ ‏من‏ ‏أسرة‏ ‏ذات‏ ‏جاه‏ ‏وحسب‏ ‏ونسب‏، ‏وعلم‏ ‏وثراء‏ ‏ونفوذ‏، ‏إذ ‏كان‏ ‏جده‏ ‏من‏ ‏رجال‏ ‏دولة‏ ‏الموحدين‏ ‏التي‏ ‏حكمت‏ ‏بلاد‏ ‏المغرب‏، ‏وكان‏ والده ماهراً‏ ‏في‏ ‏حرف‏ ‏الأحجار‏ ‏الكريمة‏، ‏وتولى‏ ‏منصب‏ ‏القضاء‏، ‏كما‏ ‏كان‏ ‏عم‏ ‏والده‏ ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏أبي‏ ‏العباس‏ ‏التيفاشي‏ ‏أديباً‏ ‏وشاعرا‏ً، ‏وعاش‏ ‏في‏ ‏عصر‏ ‏الخليفة‏ ‏عبد‏ ‏المؤمن‏ ‏بن‏ ‏علي‏ ‏الموحدي. ‏

قضى‏ ‏التيفاشي‏ ‏شطرا‏ً ‏من‏ ‏صباه‏ ‏في‏ ‏تونس‏، ‏نهل‏ ‏أثناءه‏ ‏قسطاً‏ ‏من‏ ‏علوم‏ ‏الدين‏، ‏وكذلك‏ ‏علوم‏ ‏الجواهر‏ ‏والأحجار‏، ‏ثم‏‏ رحل ‏إلى القاهرة‏، وانتقل‏ ‏إلى ‏دمشق‏، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏تونس‏، ‏ثم‏ ‏توجه‏ ‏إلى ‏مصر‏ ‏مرة‏ ‏أخرى‏، ‏ثم‏ إلى ‏الشام‏، ‏وتنقل‏ ‏بين‏ ‏مدنها‏، وحط‏ ‏الرحال‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏حيث‏ ‏توفي‏ ‏عن‏ ‏عمر‏ ‏يناهز‏ ‏السبعين‏. وفي‏ ‏كل‏ ‏مكان‏ ‏يرحل‏ ‏إليه‏ ‏حصل‏ ‏ما‏ ‏استطاع‏ ‏من‏ ‏علوم‏ ‏الدين‏ ‏والدنيا‏، ‏ويقتني‏ ‏المراجع‏ ‏والكتب‏ ‏والمخطوطات‏، ‏وورث‏ ‏عشقه‏ ‏للأحجار‏ ‏والجواهر‏ من والده، ‏إضافة‏ ‏إلى ‏نهمه‏ ‏الملحوظ‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏الجيولوجيا‏ ‏بصفة‏ ‏عامة‏. بجانب‏ ‏تعمقه في‏ ‏الفقه‏ ‏وعلوم‏ ‏الدين‏، ‏مما‏ ‏أهله‏ ‏لتولي‏ ‏منصب‏ ‏القضاء‏ ‏في‏ ‏تونس‏ ‏ثم‏ ‏في‏ ‏مصر‏.

عاصر‏ ‏التيفاشي‏ ‏دولتي ‏الحفصيين‏ ‏في‏ ‏تونس‏، ‏والمماليك‏ ‏في‏ ‏مصر‏، ‏وكل منهما‏ ‏كانت‏ ‏تولي‏ ‏العلم‏ ‏والعلماء‏ ‏اهتماماً‏ ‏عظيما‏ً، ‏فقضى‏ شبابه‏ ‏وكهولته‏ ‏ينهل‏ ‏من‏ ‏العلوم‏ ‏ويجري‏ ‏التجارب‏ ‏ويتصل‏ ‏بالملوك‏ ‏وولاة‏ ‏الأمور‏ ‏ويوطد‏ ‏علاقاته‏ ‏بهم‏ ‏ليعينوه‏ ‏على ‏تحقيق‏ ‏أفكاره‏ ‏العلمية‏. ‏

تميز‏ ‏التيفاشي‏ ‏بنزعة‏ ‏علمية‏ ‏متحفظة‏، ‏إذ‏ ‏كان‏ ‏يرد‏ على ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏الخرافات‏ ‏والأساطير‏ ‏التي‏ ‏كان‏ ‏يزخر‏ ‏بها‏ ‏التراث‏ ‏والكتابات‏ ‏اليونانية‏، ‏وإذا‏ ‏اضطر‏ ‏إلى ‏إيراد‏ ‏شيء‏ ‏منها‏ ‏كان‏ ‏ينسبه‏ ‏إلى ‏مرجعه‏. وكان‏ ميالا‏ً ‏إلى ‏التجريب‏ ‏بنفسه‏، ‏والحصول‏ ‏على‏ ‏نتائج‏ ‏بحوثه،و‏أثبتت‏ ‏الدراسات‏ ‏أن‏ ‏كتابات‏ه ‏ومؤلفات‏ه كانت‏ ‏أقل‏ ‏المؤلفات ‏في‏ ‏نفس‏ ‏المجال‏ ‏حتى‏ ‏بداية‏ ‏عصر‏ ‏النهضة‏ ‏الأوروبية‏، ‏إيراداً‏ ‏للخرافات‏ ‏والأساطير‏.

‏ ‏ابتكر‏ ‏التيفاشي‏ ‏أول‏ ‏تصنيف‏ ‏علمي‏ ‏صحيح‏ ‏للمعادن‏، ‏وهو‏ ‏المعمول‏ ‏به‏ ‏حتى‏ ‏الآن‏، ‏وهو‏ ‏القائم‏ ‏على‏ ‏أساس‏ ‏تشابه‏ ‏الخواص‏، ‏أي‏ ‏ضم‏ ‏المعادن‏ ‏المتقاربة‏ ‏في‏ ‏فصل‏ ‏واحد‏، ‏و‏كان‏ ‏العلماء‏ ‏من‏ ‏قبله‏ ‏يصنفون‏ ‏المعادن‏ ‏بحسب‏ ‏الترتيب‏ ‏الأبجدي‏. كما ‏وضع‏ ‏نظرية‏ ‏خاصة‏ ‏بأصول‏ ‏بعض‏ ‏المعادن‏ ‏الثانوية‏، ‏تتفق‏ ‏في‏ ‏جوهرها‏ ‏مع‏ ‏النظريات‏ ‏الحديثة‏. ‏كما‏ ‏وضع‏ ‏نظريات‏ ‏في‏ ‏أصل‏ ‏تكون‏ ‏الخامات‏.‏ وهو‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏أشار‏ ‏وشرح‏ ‏ظواهر‏ ‏التشقق‏، ‏والتسويس‏، ‏والطرائق‏، ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏الظواهر‏ ‏في‏ ‏علم‏ ‏المعادن‏ ‏والتشقق‏‏.‏ وأول‏ ‏من‏ ‏استخدم‏ ‏اختبار‏ ‏اللهب‏ ‏في‏ ‏التحقق‏ ‏من‏ ‏جوهر‏ ‏المعدن‏ ‏أو‏ ‏الحجر‏ ‏الكريم‏.‏ و‏أوضح‏ ‏التباين‏ ‏في‏ ‏سلوك‏ ‏الضوء‏ ‏بعد‏ ‏مروره‏ ‏خلال‏ ‏المعادن‏ ‏المختلفة‏ ‏انكساراً وتشتيتاً‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏يسمي‏ ‏الظاهرة‏ ‏كلها‏ ‏ب «‏الشعاع‏»، ‏وميز‏ ‏منه‏ ‏الشعاع‏ ‏العادي‏ ‏والشعاع‏ ‏العظيم‏.‏ و‏شرح‏ ‏ظواهر‏ ‏أخذت‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏أسماء‏ ‏حديثة‏، ‏مثل‏: ‏التكون‏ ‏الثنائي‏ ‏الذي‏ ‏يميز‏ ‏بلورات‏ ‏الياقوت‏ ‏الداكنة‏ ‏الألوان‏ ‏من‏ ‏غيرها‏ ‏من‏ ‏المعادن‏ ‏الملونة‏. ‏والتحليل‏ ‏لطيفي‏ ‏الضوء‏ ‏إلى ‏مكوناته‏ ‏المرئية‏ ‏السبعة‏ ‏بعد‏ ‏مروره‏ ‏في‏ ‏بلورات‏ ‏الماس‏.

ويعتبر التيفاشي‏ ‏عالما‏ً ‏موسوعيا‏ً، ‏تنوعت‏ ‏اهتماماته‏ ‏وتعددت‏ ‏ثقافاته‏، ‏حتى‏ ‏أنه‏ ‏ألَّف‏ ‏في‏ ‏مجالات‏ ‏علمية‏ ‏عدة‏ ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏أبرزها‏ ‏وأشهرها‏ ‏هو‏ ‏مجال‏ ‏الجيولوجيا‏، ‏الذي‏ ‏ذاع‏ ‏فيه‏ ‏صيت‏ ‏كتابه‏ «‏أزهار‏ ‏الأفكار‏ ‏في‏ ‏جواهر‏ ‏الأحجار‏». ‏وله‏ ‏في‏ ‏الجيولوجيا‏ ‏أيضا‏ً: ‏رسالة‏ «الأحجار‏ ‏التي‏ ‏توجد‏ ‏في‏ ‏خزائن‏ ‏الملوك‏ ‏والرؤساء‏»، ‏ورسالة‏ «‏خواص‏ ‏الأحجار‏ ‏ومنافعها‏».‏ ‏إضافة‏ ‏إلى ‏مؤلفاته‏ ‏في‏ ‏الطب‏، ‏مثل‏: «الشفا‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏عن‏ ‏المصطفى‏»، ‏ومؤلفاته‏ ‏في‏ ‏الجغرافيا‏، ‏مثل‏: «سرور‏ ‏النفس‏ ‏بمدارك‏ ‏الحواس‏ ‏الخمس‏»، ‏ومؤلفاته‏ ‏في‏ ‏الفلك‏ ‏والأرصاد‏ ‏الجوية‏، ‏مثل‏ «طل‏ ‏الأسحار‏»، ‏وفي‏ ‏الرحلات‏ ‏له‏ ‏كتاب‏ «‏الدرة‏ ‏الفائقة‏ ‏في‏ ‏محاسن‏ ‏الأفارقة»، «‏سجع‏ ‏الهديل‏ ‏في‏ ‏أخبار‏ ‏النيل»، ‏وله‏ ‏في‏ ‏الأدب‏ ‏مؤلفات‏ ‏مثل «‏درة‏ ‏الآل‏ ‏في‏ ‏عيون‏ ‏الأخبار‏ ‏ومستحسن‏ ‏الأشعار»‏.‏

أما‏ ‏كتابه‏ ‏الموسوعي‏ «‏أزهار‏ ‏الأفكار‏ ‏في‏ ‏جواهر‏ ‏الأحجار»‏ فأتمه التيفاشي‏ في‏ ‏عام‏ 1242‏م‏ ‏تقريبا‏ً. ‏وله‏ ‏مخطوطات‏ ‏في‏ ‏مكتبات‏ ‏وخزائن‏ ‏عديدة‏ ‏في‏ ‏لندن‏ ‏وباريس‏ ‏ودار‏ ‏الكتب‏ ‏المصرية‏. ‏واستمر‏ ‏مرجعا‏ً ‏مهما‏ً ‏في‏ ‏علم‏ ‏المعادن‏ ‏وصناعة‏ ‏التعدين‏ ‏مئات‏ ‏السنين‏. ‏كما‏ ‏انتشر‏ ‏هذا‏ ‏الكتاب‏ ‏في‏ ‏أوروبا‏ ‏بترجمته‏ ‏الإيطالية‏ ‏التي‏ ‏أنجزت‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1818‏م ‏مع‏ ‏طباعة‏ ‏النص‏ ‏العربي‏ ‏معها‏، بعد‏ ‏أن‏ ‏ترجم‏ ‏إلى ‏اللاتينية‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏في‏ ‏هولندا‏. ‏وأعيدت‏ ‏طباعة‏ ‏الترجمة‏ ‏الإيطالية‏ ‏في‏ ‏بولونيا‏ ‏عام‏ 1906‏م‏ ‏و‏استفاد‏ ‏منها‏ ‏س‏. ‏ف‏. ‏رافيوس‏ ‏في‏ ‏كتابه‏ ‏الذي‏ ‏وضعه‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1784‏م‏، ‏واقتبس‏ ‏منه‏ ‏الفصول‏ ‏الثلاثة‏ ‏الأولى‏ ‏فيه‏.‏ كما ترجم كتاب التيفاشي‏ ‏إلى ‏الفرنسية‏ ‏والإنجليزية‏ ‏والألمانية‏. ‏

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yeolj3ha