عادي

الكوكبات النجمية والأبراج (2)

بدائع الكون في القرآن
00:08 صباحا
قراءة 5 دقائق
1

أ.د.حميد مجول النعيمي

لتكملة موضوع أمس نجد في التصنيف الصحيح ثمة ثلاثة عشر برجاً مقابل ثلاث عشرة مدة زمنية، وكل مدة مختلفة عن الأخرى. قد تكون أكثر من شهر وقد تكون أقل منه، فمثلاً مدة برج العقرب سبعة أيام، والعذراء 44 يوماً ومدة بقية الأبراج بين المدتين.

حميد مجول

بعد دراسة الكرة السماوية (من ناحية الأبراج على نحو خاص) يُمكن فهم الفصول الأربعة الحاصلة على الأرض، ولكي نتمعن فيما يتعلق بدائرة الأبراج فإن مستواها ومستوى دائرة الاستواء السماوي يميل بعضها عن البعض بزاوية مقدارها (‹27 ˚23 ) بسبب ميل المحور الدوراني للكرة الأرضية عن العمود على مستوى مدارها بزاوية لها القيمة نفسها أي: (‹27 ˚23 )، وفي الحقيقة لولا هذا الميل لما حدثت الفُصول الأربعة على الأرض، لأن مسيرها حول الشمس ليس دائرياً بل يأخذ شكل القطع الناقص إذ تقع الشمس في إحدى بؤرتيه، حسب قانون كبلر الأول: قانون المدارات البيضوية، لذلك تكون سرعة الأرض متفاوتة تبعاً لموقعها من الشمس خلال السنة، ونتيجة لتقاطع دائرة الأبراج مع دائرة الاستواء السماوية فإن الشمس تبقى نصف عام تقريباً شمال الدائرة الاستوائية والنصف الآخر جنوبها، فمثلاً في الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني: تُصبح الأرض في أقرب نقطة من الشمس تدعى بالحضيض، أما في الأسبوع الأول من شهر حزيران فإن الأرض تصبح في أبعد نقطة من الشمس وتدعى نقطة الأَوج، وفي الواقع فإن هاتين النقطتين هما نقطتا الانقلاب الشتوي والانقلاب الصيفي وبين هاتين النقطتين توجد نقطتا الاعتدال الربيعي (21 آذار) والاعتدال الخريفي (23 أيلول)، وعلى هذا الأساس قُسم مدار الأرض إلى أربعة أقسام تمثل مُدد الفصول الأربعة، إذ إن مُدد هذه الفصول غير متساوية في الطول في كل من نصفي الأرض الشمالي والجنوبي.

ما يهمنا هنا اشتراك الأرض والشمس والأبراج في توليد ظاهرة الفُصول، أي أن الفصول لا تتكون، بغياب أي من هذه العناصر الثلاثة، وإذا تعمقنا في الموضوع أكثر وجدنا أن الشمس والأرض معنيتان أكثر، بل حصراً، بهذه الظاهرة، أي أن تحديد نوع الفصل في ظاهرة حصول الفصول يعتمد على تحديد موقع الأرض إزاء الشمس، في دائرة الأبراج، ثم تقليص دور الشمس من ناحية الحركة فقط والإبقاء على مسألة الضوء والمسافة، فنجد أن طبيعة حركة الأرض وميل محورها هما السببان الأساسيان في إحداث الظاهرة. أما المواقع الموضعية على الأرض فتختلف فيما بينها من حيث مواجهتها للشمس والأبراج معاً، أي أن الأرض ليست وحدة واحدة فصلياً أو جغرافياً في اللحظة الواحدة أو الوقت الواحد. إنما يتناوب الفصل مع الفصل على نحو يتغاير من منطقة إلى منطقة إذا أردنا تفسير تعبير منقطة توجب استعمال الجغرافية أو المسافات التي تعتمد على درجات خطوط الطول والعرض فوق خط الاستواء الأرضي وتحته، وهكذا سلسلة من العلاقات الرأسية والأفقية حتى تنتهي بالليل والنهار من حيث التوقيت، والحر والبرد من حيث المناخ والطقس، وبينهما الاعتدالان. وإذا استذكرنا قوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» صار ممكناً وواضحاً معاً أن ننتقل بالاهتداء مرة ثانية إلى ناحية جديدة هي المعرفة السببية الظاهرية أي المتعلقة بالظاهرة من طريق النجوم وهو بعدٌ آخر لا يقل فائدة أو محتوى عن الهدي في الطريق في الظلام، فالبرج كوكبة، والكوكبة مجموعة نجوم (تشكيلة نجمية)، والنجم الأكثر وضوحاً فيها دال على مجموعته الكوكبية (كما يدل النجم القطبي على الدب الأصغر)، فإذا استدللنا بالبرج إزاء الأرض تحددت أمور كثيرة من بينها الفصول الأربعة نفسها، فسبحان الله.

نرى، بالمقابل، أن زيادة أهمية دور الأرض في تحديد شكل الظاهرة أو نوعها يتفق تماماً مع ذكر الأرض متلازماً مع السماء في القرآن الكريم، أي أنها ليست متأثرة أو متلقية حسب، بل هي فاعلة ومؤثرة، بحركتها وشكل حركتها واتجاه حركتها وسرعة حركتها، كل ذلك في محيط السماء الدنيا، جزء من كل، والسماوات كلها، جمعاً وتوحيداً، لذلك فصغر الأرض من حيث الحجم أو الكتلة مثلاً أو حتى الكثافة لا يعني صغر (شأنها) في المجموعة الشمسية أو ضمن المجرة، إذ إن شأن الأرض جاء مما هو موجود فيها وعليها من مخلوقات وثروات وأنظمة وبيئات يتطلب لتوفير مثلها في كواكب أخرى قوة لا يستطيع تقديرها سوى الله سبحانه وتعالى القائل: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» أو «لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» بمكافأة ما في الأرض بما في السماء جمعاً بالذكر على سبيل التكافؤ في قيمة الموجودات من حيث الارتقاء أو التكوين أو الغاية أو السيرورة، ولا بد من فهم عودة «مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» إلى الله من طريق التملك المجرد، وهو واضح وبسيط، ولكن من طريق التدبير والصنع والإدارة والتوجيه والضبط، فإن تأمل كل منها يدفع بالإنسان إلى السجود لله خشوعاً لعظمة الله سبحانه، وإن أي تعامل مع آليّة وجود كل موجود على الأرض أو فيها يمكن مقارنته بالكواكب والنجوم لنستبين سبيل الأرقى في كل منها وسبيل التطور السامي في الربط بينها في الوقت نفسه، كما هي الحال مع العلاقة الثلاثية: (الأرض والشمس والأبراج) بأبسط صورها.

ثم، في تتبع مضمون الآية: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» النحل 16 و مقارنةً بالآية الكريمة في سورة الأنعام الآية (97): «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..» ثمة استدراك وإضافة بإزاء جملة «فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» إذ ينحصر المعنى هنا في الأسفار البرية والبحرية (على سطح الأرض وعلى سطح البحر) ولكن ماذا عن أعماق البحر وأجواء الفضاء؟! هل تعد غير مظلمة فلا حاجة للاهتداء بالنجوم؟ وإن هذا افتراض غير عملي حتى في بنية السؤال، أم أن الاهتداء متاح بصيغ أخرى، أي بغير النجوم؟ من البديهي أن خيال الإنسان لم يرق إلى تصور تحليقه بين النجوم أو إلى القمر أو الغوص إلى أعماق البحر بأمان على نحو ما يجري الآن وسيتطور إلى أكثر من ذلك حتى يصير سفراً فضائياً عادياً ومألوفاً (كما هي الحال في تكنولوجيا مكوكات الفضاء التي تنقل الحمولات ورواد الفضاء من الأرض إلى الفضاء وبالعكس فضلاً عن التحام المركبات الفضائية بعضها مع بعض، وكذلك نقل الحمولة من مركبة إلى أخرى)، وتقصي عجائب أعماق البحار بغواصات سفر ترويحية وسياحية مسألة خاضعة للرغبة، مع ذلك تبقى النجوم في الفضاء بالأهمية نفسها، أما في أعماق البحر فبصيغ مساعدة أساسها النجوم نفسها.. (من المفيد هنا والجدير بالإشارة إليه أن الفضاء مظلم بسبب ابتعاد المجرات بعضها عن بعض (تمدد الكون) لتولد الزحزحة نحو الأحمر وكذلك لعدم وجود غلاف جوي في الفضاء ليشتت الضوء القادم ونراه، فمجرد الخروج من المجموعة الشمسية يجعل السماء مظلمة تماماً لا وجود للضوء والنهار)،«ولَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» سورة الحجر 14 -15.

هل لهذه الأبراج تأثير في الإنسان؟ إن التشكيلة الظاهرية النجمية التي تكون البرج الواحد بعيدة جداً عن الأرض، تبعد عشرات أو مئات أو ربما آلاف السنوات الضوئية عن الأرض وحتى نجوم البرج الواحد تبعد عن بعضها مسافات شاسعة جداً وليست متقاربة كما يراها الإنسان ظاهرياً. لذلك فإن الأبراج أو النجوم التي تحويها هذه الأبراج ليس لها أي تأثير يذكر في الإنسان إطلاقاً، لذلك نستنتج أن ما يكتب في الصحف والمجلات عن الأبراج ليس له أي أساس علمي إطلاقاً فالمعلومات تكتب بأشكال وطرق مختلفة وتنقل من هنا وهناك.

مدير جامعة الشارقة 

رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yg9mmdfb