غربلة التراث لبقائه

00:54 صباحا
قراءة دقيقتين

هل نحتاج إلى مصارحات بعيدة في المطارحات الثقافية التي تبحث مستقبل الآداب والفنون؟ المسألة تجاوزت بكثير ما يسمى صراع الأجيال، كنشوب خلاف في الرأي والذوق وطريقة التفكير، بين الآباء والأبناء. نحن اليوم نواجه مناطق فكرية شديدة السخونة، في مفاهيمنا، في علاقتنا بالبيئة الثقافية الموروثة التي نشأت فيها نفوسنا، أدمغتنا، أذهاننا، عواطفنا، طرائق إدراكنا واستيعابنا. كل ذلك يحتاج اليوم إلى إعادة نظر وترتيب وانتقاء خيارات. 
الجيل الذي يولد اليوم أمامه رحلة زمنية عصرية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، ومسؤولية الأجيال الممسكة بمقاليد الحياة حاضراً، أن تؤهله للبيئة التي سيجد فيها نفسه في مقبل السنين.
لا بد من التفكير العميق في التحولات الثقافية الجذرية الضرورية لمواكبة الحاضر والمستقبل. هذا يتطلب التعلم المتعمق العميق. المنطلق السليم، يتمثل في إدراك أن المنتجات العصرية الحديثة تفوق بمراحل لا تقاس، النمو الذي تحقق في أدمغتنا التي تستخدم تلك الأجهزة المتطورة. أغلب الظن أن الإحصائيات الحديثة في العالم العربي غول وعنقاء، فلنأخذ فرنسا نموذجاً. عبقري الرياضيات سيدريك فيللاني يقول: «إن 90% من الفرنسيين لا يعرفون معنى الخوارزميات، كما أن ثلثيهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيفقدهم وظائفهم وينكبهم بالبطالة».
بصراحة، ألا تستدعي التحولات العلمية التقانية التي يشهدها العالم بتسارع مهول، ثقافة تربوية أسرية جديدة، تبني عليها مناهج التربية والتعليم، ثقافة اجتماعية مختلفة؟ 
بعبارة أوضح: ما هي الآداب والفنون التي سيتلقاها جيل قدمه اليوم في الرقمي، والأخرى غداً في حواسيب الكوانتوم، ونقلة القدم ستكون على إيقاع روبوتي؟ هل يحتاج الأمر إلى مزيد من التأكيد إذا لم يصل المعنى: يا حضرات، التراث الأدبي سيدرّس كميراث أم كأدب؟ كموروث تاريخي مخزون، أم كفكر وقيم؟ الغاية مختلفة. 
هل ستظل اللغة العربية تدرّس سنة أربعين وخمسين مثلما هو النحو والصرف على أيامنا؟ المناهج الحالية لا جدوى من ورائها. لم يعد في الإمكان بناء ثقافة عصرية مستقبلية من دون إعادة النظر في الميراث. إعادة النظر تعني الغربلة. لا يحتاج الأمر إلى معجزة، كل ما هنالك مد جسور حيوية بين الماضي والحاضر. أوروبا فعلت ذلك واليابان والصين، وإلا فالفصام الثقافي، «الشيزوفرينيا» الفكرية الثقافية الفنية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الزراعية: لا تستطيع الشجرة أن تنفصل عن جذورها، وإلا فليست شجرة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ygmcgozx